كيف لا وأنت أهل للتصريف؟! فقال ما معناه أنه تصرف، ولم يمض ِإلا قليل من
الوقت حتى رأوا كأن الأسطول قد نقص بارجة فشكّوا في ذلك حتى علموه اليقين.
ولو كان ذلك الرجل وسخ الثياب كثير الهذر والدعوى بحيث يعتقد العامة فيه الولاية
والبركة لسارت الركبان بأن غرق البارجة كان كرامة له!
وأما طاعة الحيوانات فالحكايات فيها كثيرة عند جميع الأمم لما يقع من
الحوادث التي يعدها المعتقدون بولاية شخص كرامة له، ولو وقعت بعينها لغيره ممن
لا يرونه أهلاً للكرامة لما عدّوها إلا مصادفة لا تتعدى حدود المعتاد، فإن الحيوانات
لا تعرف لحركاتها في إقبالها وإدبارها وهجومها على الشيء وانصرافها عنه أسباب
مطردة. وقد وقع لكثير من جُوّاب الآفاق أن يصادفوا السباع في بعض الفيافي
مقبلة عليهم، ثم لا تلبث أن تنصرف عنهم بغير سبب يعرف. وعدم العلم بالسبب لا
ينفي وجود السبب فربما تذكّر السبع في الساعة التي انصرف فيها شيئًا حمله على
الانصراف عمن كان يقصده، كأن شم رائحة أو سمع صوتًا من الجهة التي فيها
أشباله فخاف عليها عدوان عادٍ. وقد اتفق لفصيلة من العساكر المصرية في
السودان أن سارت ليلة مقمرة، فاعترضهم الأسد في الطريق، فذعروا وحاروا
لا يدرون ما يصنعون، ولكن الأسد لم يلبث أن زأر وعدا كالسهم، وسمعوا في أثناء
ذلك عواء كثير فعلم بعضهم بما سبق له من الاختبار أَنَّ عرجلة من الضباع هجمت
على لبؤة ذلك الأسد من شدة الخوف، فشعر بذلك الأسد فذهب لنصرتها.
قد علم مما ذكرناه في المسائل أن الحكايات التي يتناقلها الناس لا ثقة بها فمنها
الإفك المبين، ومنها جعل ما هو معتاد ليس خارقًا للعادة، ومنها ما يضاف إلى غير
سببه، ويعلل بغير علته. ولو شئنا لذكرنا من هذا النوع حكايات كهذه الحكايات
أسندها غير المسلمين إلى من يعتقدون لهم الكرامة وعمل العجائب. وإذا جاءنا
السبكي أو غيره بحكاية منقولة بالتواتر لا تحتمل التأويل، فإننا نجزم بأنها خارقة،
وما كان ينبغي لمثله في العلم أن يقول: إن هبوب الريح وإغراقها للمراكب من
خوارق العادات، وما زال الناس في كل زمان يشاهدون مثل ذلك بأعينهم في جميع