الْمُرَاد به الحاصل بالمصدر فهو مضاف إليه تَعَالَى من جهة الخلق؛ إذ لا خالق سواه
وإن لم يأمر به ولم يحرض عليه، وإن لم يكن موجودًا لكون الْمُرَاد به معنى نسبيًا فلا
محذور في عدم إضَافَته إليه تَعَالَى، لكن الْكَلَام ما هُوَ موجود في الخارج فيضاف إليه
تَعَالَى خلقًا في نفس الأمر. والمشايخ احترزوا عن إضافة مثله من الأمور الدنية إليه [تعالى]
تأدبًا فلا يقال خالق القردة والخنازير ونحوهما لا لعدم خلقها بل لحسن الأدب مع
الرب واكتفوا بقولهم خالق الأشياء خيرها وشرها، فيندرج فيه خلق الخنازير ونحوها
وبهذا البيان ظهر ضعف ما قيل إن المزين في الْحَقيقَة هُوَ الشَّيْطَان؛ لأن التزيين صفة
تقوم به لكون التزيين موجودًا في الخارج كما عرفته يحتاج إلَى خالق ولا خالق إلا
الله تَعَالَى، كما أن التعصب قائم بالمتعصب مع أنه مخلوق له تَعَالَى. ومراد المصنف بأن
المزين هُوَ الله تَعَالَى أن المزين عَلَى الْحَقيقَة هُوَ الله تَعَالَى؛ إذ ما من شيء إلا وهو فاعله
كَمَا صَرَّحَ به في سورة البقرة. وأشار إليه هنا بقوله لأنه الخالق (للأفعال والدواعي) . نعم
التزيين الذي هُوَ مقدور الله خلقًا ومقدور العبد كسبًا إسناده إليه تَعَالَى مجاز، وإسناده
إلى العبد حَقيقَة لكن المصنف لم يرد ذلك بل أراد أن تحقق التزيين في الخارج وفي
نفس الأمر بخلق الله تَعَالَى. وهذا هُوَ الذي أراد بقوله عَلَى الْحَقيقَة ولذا قال عَلَى
الْحَقيقَة بكلمة عَلَى. قال المصنف في سورة البقرة: وكل من الشَّيْطَان والقوى الحيوانية وما
خلق الله تَعَالَى فيها أي في الدُّنْيَا من الأمور البهية والأشياء الشهية مزين بالعرض. أي
بالسببية، ولما كانت الْأَسْباب دون مشيئته تَعَالَى لاغية؛ إذ بها تمامها، كَمَا صَرَّحَ به في
سورة النور في قَوْله تَعَالَى: (يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ) قال مزين
بالعرض. أي إطلاق المزين عليها مجاز في نفس الأمر وليس التزيين موجودًا بها وإن
كان إسناده إليها حَقيقَة في بعض الصور وشتان ما بين الحقيقتين. فإن الْمُرَاد بالأول أن
التزيين وجوده في الْحَقيقَة بمعنى في نفس الأمر بخلق الله تَعَالَى، وبالثاني الْحَقيقَة في
الإسناد. والْكَلَام في الْفَاعل الْكَلَامي دون الْفَاعل النحوي، والقرينة عليه كون النزاع بينا
وبين المعتزلة في الْفَاعل الْكَلَامي دون الْفَاعل النحوي. ولذا قال في آخر الْقَوْل وقيل إن
المزين الشَّيْطَان فمن ذهب إلَى عكسه واعترض عَلَى المصنف فقد خرج عن الإنصاف
وتمسك بالاعتساف. وتحقيق المقام ما أوضحناه من تفصيل المرام فليتأمل فإن المقام
من مزالق الأقدام.