فيدعني ما شاء الله أن يدعني. ثم يقال: ارفع رأسك وقل تسمع، واشفع تشفع.
قال: فيحد لي حدا، فأدخلهم الجنة». يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ أي:
يعلم ما كان قبلهم، وما يكون بعدهم. والضمير لما في السموات والأرض. ولم يقل:
أيديها، وخلفها، لأن فيهما العقلاء. وفي هذا التعبير بيان لإحاطة علمه بجميع الكائنات، ماضيها، وحاضرها، ومستقبلها. ما من حركة إلا وهو يعلم ما قبلها، وما بعدها. ولا شيء إلا ويعلم ما قبله وما بعده. فسبحانه سبحانه. وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ: المراد بالعلم هنا، المعلوم. فصار المعنى: لا يطلع أحد من
علم الله على شيء إلا بمشيئة الله، وتعليمه. فما عرفه الإنسان من عالم الغيب، وما عرفه الإنسان من عالم الشهادة، وقوانين هذا الكون، وكيفية تسخيره، إلا بمشيئة الله، وتعليمه. فهو الذي علم الإنسان ما لم يعلم. وهو الذي علم كل شيء ما علم.
وهناك وجه آخر. قال ابن كثير: ويحتمل أن يكون المراد: لا يطلعون على شيء من علم ذاته وصفاته، إلا بما أطلعهم الله عليه. وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ: للعلماء في تفسير الكرسي هنا أقوال. منهم من فسره بالعلم، ومنهم من فسره بالعرش، ومنهم من فسره بمخلوق عظيم محيط دون العرش، ومنهم من فسره بالقدرة، ومنهم من فسره بالملك. وقد قدم ابن كثير ذكر تفسير الكرسي هنا بالعلم، نقلا عن ابن عباس. ومن عادته في هذه الحالة، أن يقدم الأرجح عنده. ثم نقل قول ابن أبي حاتم: وروي عن سعيد بن المسيب مثله. ونستطيع أن نقول: إن أجود ما يفسر به الكرسي، إن أخرجناه عن لفظه هذا التفسير. وإما إذا لم نخرجه عن لفظه، فأجود ما يقال فيه، ما قاله ابن كثير، والصحيح، أن الكرسي غير العرش.
والعرش أكبر منه، كما دلت على ذلك الآثار والأخبار، وإذن صار معنى النص على القول الأول: أحاط علمه السموات والأرض. وعلى القول الثاني: إن كرسيه الذي هو دون العرش، محيط بالسماوات، والأرض. ومن كان مثل هذا خلقه، ما أعظمه.