إن هذا الملك الذي حاج إبراهيم فِي ربه لم يكن منكراً لوجود الله أصلاً إنما كان منكراً لوحدانيته فِي الألوهية والربوبية ولتصريفه للكون وتدبيره لما يجري فيه وحده ، كما كان بعض المنحرفين فِي الجاهلية يعترفون بوجود الله ولكنهم يجعلون له انداداً ينسبون إليها فاعلية وعملاً فِي حياتهم! وكذلك كان منكراً أن الحاكمية لله وحده ، فلا حكم إلا حكمه فِي شؤون الأرض وشريعة المجتمع.
إن هذا الملك المنكر المتعنت إنما ينكر ويتعنت للسبب الذي كان ينبغي من أجله أن يؤمن ويشكر. هذا السبب هو {أن آتاه الله الملك} .. وجعل فِي يده السلطان! لقد كان ينبغي أن يشكر ويعترف ، لولا أن الملك يُطغي ويبطر من لا يقدرون نعمة الله ، ولا يدركون مصدر الإنعام. ومن ثم يضعون الكفر فِي موضع الشكر ؛ ويضلون بالسبب الذي كان ينبغي أن يكونوا به مهتدين! فهم حاكمون لأن الله حكمهم ، وهو لم يخولهم استعباد الناس بقسرهم على شرائع من عندهم.
فهم كالناس عبيد لله ، يتلقون مثلهم الشريعة من الله ، ولا يستقلون دونه بحكم ولا تشريع فهم خلفاء لا أصلاء!
ومن ثم يعجب الله من أمره وهو يعرضه على نبيه:
{ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم فِي ربه أن آتاه الله الملك؟} ..
ألم تر؟ إنه تعبير التشنيع والتفظيع ؛ وإن الإنكار والاستنكار لينطلقان من بنائه اللفظي وبنائه المعنوي سواء. فالفعلة منكرة حقاً: أن يأتي الحجاج والجدال بسبب النعمة والعطاء! وأن يدعي عبد لنفسه ما هو من اختصاص الرب ، وأن يستقل حاكم بحكم الناس بهواه دون أن يستمد قانونه من الله.
{قال إبراهيم: ربي الذي يحي ويميت} ..