أي وإن أرخى ستوره يريد أن يخفى عمله فنفسه شاهدة عليه، وقد حذف الياء من «المعاذر» ضرورة.
وقال الزمخشري: «فإن صح - يعني أن المعاذير: الستور - فلأنه يمنع رؤية المحتجب كما تمنع المعذرة عقوبة المذنب» . وهذا القول منه يحتمل أن يكون بياناً للمعنى الجامع بين كون المعاذير: الستور والاعتذارات، وأن يكون بياناً للعلاقة المسوِّغة في التجويز.
والمعنى: ولو اعتذر وقال: لم أفعل شيئاً لكان عليه من نفسه من يشهد عليه من جوارحه، فهو وإن اعتذر وجادل عن نفسه فعليه شاهد يكذِّب عذرهُ».
وقال مقاتل: ولو أدلى بعُذرٍ أو حجة لم ينفعه ذلك، نظيره قوله تعالى: {وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} [المرسلات: 36] فالمعاذير على هذا مأخوذة من العُذْر.
{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23) }
وكون «إلى» حرف جر، و «ربها» مجروراً بها هو المتبادر إلى الذهن، وقد خرجه بعض المعتزلة على أن يكون «إلى» اسماً مفرداً بمعنى النعمة مضافاً إلى «الرب» ويجمع على «آلاء» نحو {فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا} [الرحمن: 13] - وقد تقدم أن فيها لغات أربعاً - و «ربِّهَا» خفض بالإضافة والمفعول مقدم ناصبه «ناظرة» بمعنى منتظرة والتقدير: وجوه منتظرة نعمة ربها.
وهذا فرار من إثبات النظر لله - تعالى - على معتقدهم.
وتَمحَّل الزمخشري لمذهب المعتزلة بطريق أخرى من جهة الصناعة، فقال - بعد أن جعل التقديم في «إلى ربها» مؤذناً بالاختصاص -: والذي يصح معه أن يكون من قول الناس: أنا إلى فلان ناظر ما يصنع بي، يريد معنى التوقّع والرجاء؛ ومنه قول القائل: [الكامل]
4997 - وإذَا نَظرْتُ إليْكَ مِنْ ملِكٍ ... والبَحْرُ دُونكَ زِدْتَنِي نِعَمَا
وسمعت سُرِّيَّة مستجدية ب «مكة» وقت الظهر حين يغلق الناس أبوابهم، ويأوون إلى مقايلهم تقول: «عُيَيْنتي نويظرة» إلى الله وإليكم، والمعنى: أنهم لا يتوقعون النعمة والكرامة إلا من ربهم.