قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: الْمُرَادُ أَنَّهُ أَيْقَنَ بِمُفَارَقَتِهِ الدُّنْيَا، وَلَعَلَّهُ إِنَّمَا سُمِّيَ الْيَقِينُ هاهنا بِالظَّنِّ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ مَا دَامَ يَبْقَى رُوحُهُ مُتَعَلِّقًا بِبَدَنِهِ، فَإِنَّهُ يَطْمَعُ فِي الْحَيَاةِ لِشِدَّةِ حُبِّهِ لِهَذِهِ الْحَيَاةِ الْعَاجِلَةِ عَلَى مَا قَالَ: (كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ) [القيامة: 20] وَلَا يَنْقَطِعُ رَجاءُوه عَنْهَا فَلَا يَحْصُلُ لَهُ يَقِينُ الْمَوْتِ، بَلِ الظَّنُّ الْغَالِبُ مَعَ رَجَاءِ الْحَيَاةِ، أَوْ لَعَلَّهُ سَمَّاهُ بِالظَّنِّ عَلَى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ.
(أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى(37)
«فَإِنْ قِيلَ» : مَا الْفَائِدَةُ فِي يُمْنَى فِي قَوْلِهِ: (مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى) ؟
قُلْنَا: فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى حَقَارَةِ حَالِهِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: إِنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنَ الْمَنِيِّ الَّذِي جَرَى عَلَى مَخْرَجِ النَّجَاسَةِ، فَلَا يَلِيقُ بِمِثْلِ هَذَا الشَّيْءِ أَنْ يَتَمَرَّدَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا أَنَّهُ عَبَّرَ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى، عَلَى سَبِيلِ الرَّمْزِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي عِيسَى وَمَرْيَمَ: (كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعامَ) [الْمَائِدَةِ: 75] وَالْمُرَادُ مِنْهُ قَضَاءُ الْحَاجَةِ. انتهى انتهى {مفاتيح الغيب} .