وقد اتفقا على جواز أن يكون قال في قوله: {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ} عاملًا في (أنْ) في قوله: {أَن كاَنَ} قال أبو علي: لا يخلو من أن يكون العامل فيه {تُتْلَى} أو {قَال} أو شيء ثالث، ولا يجوز أن يعمل واحد منهما فيه. ألا ترى أن تتلى من قوله: {تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا} قد أضيفت إذا إليه، والمضاف إليه لا يعمل فيما قبله، ألا ترى أنك لا تقول: القتال زيدًا حين يأتي زيد. ولا يجوز أن يعمل فيه (قال) أيضًا؛ لأن (قال) جواب (إذا) ، وحكم الجواب أن يكون بعد ما هو جواب له ولا يتقدم عليه. وإذا لم يجز أن يعمل في (أنْ) واحد من هذين الفعلين علمت أنه محمول على شيء آخر مما دل في الكلام عليه.
والذي يدل عليه هذا الكلام من المعنى هو يجحد أو يكفر أو يمسك عن قبول الحق، ونحو ذلك. إنما جاز أن يعمل المعنى فيه وإن كان متقدمًا عليه لشبهه بالظرف، والظرف قد تعمل فيه المعاني وإن تقدم عليها ويدلك على مشابهته للظرف تقدير اللام معه.
وإن من النحويين من يقول: إنه في موضع جر كما أنه لو كانت اللام ظاهرة معه كان كذلك، فإذا صار كالظرف من حيث قلنا لم يمتنع المعنى من أن يعمل فيه كما لم يمتنع من أن يعمل في نحو قوله: {يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} [سبأ: 7] لما كان ظرفا، والعامل فيه بعثتم، الدال عليه قوله: {إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيد} ، وكذلك {أَن كاَنَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ} ، كأنه جحد بآياتنا لأن كان ذا مال وبنين، أو كفر بآياتنا لأن كان ذا مال وبنين. وعلى هذا المعنى يكون محمولًا فيمن استفهم فقال: أن كان ذا مال وبنين؛ لأنه توبيخ وتقرير، فهو بمنزلة الخبر. ومثل ذلك قولك: ألأن أنعمت عليك جحدت نعمتي، إذا وبخته بذلك. فعلى هذا تقدير الآية.