وَصَاحِبُ هَذَا الْمَقَامِ: قَدِ اشْتَرَى اللَّهُ مِنْهُ نَفْسَهُ وَمَالَهُ وَعِرْضَهُ بِأَعْظَمِ الثَّمَنِ. فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُسَلِّمَ إِلَيْهِ الثَّمَنَ فَلْيُسَلِّمْ هُوَ السِّلْعَةَ لِيَسْتَحِقَّ ثَمَنَهَا. فَلَا حَقَّ لَهُ عَلَى مَنْ آذَاهُ. وَلَا شَيْءَ لَهُ قَبْلَهُ، إِنْ كَانَ قَدْ رَضِيَ بِعَقْدِ هَذَا التَّبَايُعِ. فَإِنَّهُ قَدْ وَجَبَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ.
وَهَذَا ثَابِتٌ بِالنَّصِّ وَإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَلِهَذَا «مَنَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ سُكْنَى مَكَّةَ - أَعَزَّهَا اللَّهُ - وَلَمْ يَرُدَّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ دَارَهُ وَلَا مَالَهُ الَّذِي أَخَذَهُ الْكُفَّارُ. وَلَمْ يُضَمِّنْهُمْ دِيَةَ مَنْ قَتَلُوهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» .
وَلَمَّا عَزَمَ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى تَضْمِينِ أَهْلِ الرِّدَّةِ مَا أَتْلَفُوهُ مِنْ نُفُوسِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالِهِمْ. قَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - بِمَشْهَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - تِلْكَ دِمَاءٌ وَأَمْوَالٌ ذَهَبَتْ فِي اللَّهِ. وَأُجُورُهَا عَلَى اللَّهِ، وَلَا دِيَةَ لِشَهِيدٍ فَأَصْفَقَ الصَّحَابَةُ عَلَى قَوْلِ عُمَرَ. وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ الصِّدِّيقُ.
فَمَنْ قَامَ لِلَّهِ حَتَّى أُوذِيَ فِي اللَّهِ: حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الِانْتِقَامَ. كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ {وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [لقمان: 17] .
[فَصْلٌ الْمَشْهَدُ التَّاسِعُ مَشْهَدُ النِّعْمَةِ]
الْمَشْهَدُ التَّاسِعُ: مَشْهَدُ النِّعْمَةِ وَذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ.
أَحَدُهَا: أَنْ يَشْهَدَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي أَنْ جَعَلَهُ مَظْلُومًا يَتَرَقَّبُ النَّصْرَ. وَلَمْ يَجْعَلْهُ ظَالِمًا
يَتَرَقَّبُ الْمَقْتَ وَالْأَخْذَ. فَلَوْ خُيِّرَ الْعَاقِلُ بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ - وَلَا بُدَّ مِنْ إِحْدَاهُمَا - لَاخْتَارَ أَنْ يَكُونَ مَظْلُومًا.