وقال بعض المفسرين: إنه أسر إلى حفصة شيئاً فحدثت به غيرها فطلقها مجازاة على بعضه ، ولم يؤاخذها بالباقي وهو من قبيل قوله تعالى: {وما تفعلوا من خير يعلمه الله} (البقرة: (أي: يجازيكم عليه ، وقيل: المعرّف حديث الإمامة ، والمعرض عنه حديث مارية. وروي"أنه قال لها: ويلك ألم أقل لك أكتمي علي ، قالت: والذي بعثك بالحق نبياً ما ملكت نفسي فرحاً بالكرامة التي خص الله تعالى بها أباها" {فلما نبأها به} أي: بما فعلت على وجه لم يغادر من ذلك الذي عرفها به شيئاً منه ، ولا من عوارضه لتزداد بصيرة.
روي أنها قالت لعائشة سراً فأنا أعلم أنها لا تظهره ، قاله الملوي ، وهو معنى قوله تعالى: {قالت} أي: ظناً منها أن عائشة أفشت عليها {من أنبأك هذا} أي: من أخبرك أني أفشيت السر {قال نبأني} وحذف المتعلق اختصاراً للفظ وتكسيراً للمعنى بالتعميم إشارة أنه أخبره بجميع ما دار بينها وبين عائشة على أتم ما كان. {العليم} أي: المحيط العلم {الخبير} أي: المطلع على الضمائر والظواهر ، فهو أولى أن يحذر فلا يتكلم سراً أو جهراً إلا بما يرضيه.
وقوله تعالى: {إن تتوبا إلى الله} أي: الملك الأعظم شرط ، وفي جوابه وجهان: أحدهما: قوله تعالى: {فقد صغت قلوبكما} والمعنى: إن تتوبا فقد وجد منكما ما يوجب التوبة ، وهو ميل قلوبكما عن الواجب في مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حب ما يحب وكراهة ما يكره. وصغت: مالت وزاغت عن الحق ، قال القرطبي: وليس قوله: {فقد صغت قلوبكما} جواب الشرط لأن هذا الصغو كان سابقاً فجزاء الشرط محذوف للعلم به أي: إن تتوبا كان خيراً لكما إذ قد صفت قلوبكما. الثاني: أن الجواب محذوف تقديره: فذلك واجب عليكما ، أو فتاب الله عليكما ، قاله أبو البقاء. ودل على المحذوف {فقد صغت} لأن إصغاء القلب إلى ذلك ذنب. قال بعضهم: وكأنه زعم أن ميل القلب ذنب ، وكيف يحسن أن يكون جواباً وقد غفل عن المعنى المصحح لكونه جواباً.