والثاني: أن الذي عرَّف: تحريم مارّية ، والذي أعرض عنه: ذِكر الخلافة لئلا ينتشر ، قاله الضحاك ، وهذا اختيار الزجاج.
قال: ومعنى"عرَّف بعضه"عرَّف حفصة بعضه.
وقرأ الكسائي ،"عَرَفَ"بالتخفيف.
قال الزجاج: على هذه القراءة قد عرف كل ما أسرَّه ، غير أن المعنى جارٍ على بعضه ، كقوله تعالى: {وما تَفْعلوا من خَير يعلمْه الله} [البقرة: 179] أي: يعلمه ويجازِ عليه ، وكذلك: {فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره} [الزلزلة: 7] أي: ير جزاءه.
فقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم طلق حفصة تطليقة ، فكان ذلك جزاءها عنده ، فأمره الله أن يراجعها.
وقال مقاتل بن حيَّان: لم يطلقها ، وإنما همَّ بطلاقها ، فقال له جبريل: لا تطلقها ، فإنها صوَّامة قوَّامة.
وقال الحسن: ما استقصى كريم قط ، ثم قرأ"عرَّف بعضه وأعرض عن بعض"وقرأ ابن مسعود ، وأبي بن كعب ، وابن السميفع"عُرَّاف"برفع العين ، وتشديد الراء وبألف"بعضِه"بالخفض.
قوله تعالى: {فلما نَبَّأها به} أي: أخبر حفصة بإفشائها السرَّ {قالت من أنبأك هذا؟} أي: من أخبرك بأني أفشيت سرك؟ {قال نبأني العليم الخبير} ثم خاطب عائشة وحفصة ، فقال: {إِن تتوبا إلى الله} أي: من التعاون على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإيذاء {فقد صغت قلوبكما} قال ابن عباس: زاغت ، وأثمت.
قال الزجاج: عدلت ، وزاغت عن الحق.
قال مجاهد: كنا نرى قوله تعالى:"فقد صغت قلوبكما"شيئاً هيِّناً حتى وجدناه في قراءة ابن مسعود: فقد زاغت قلوبكما.
وإنما جعل القلبين جماعة لأن كل اثنين فما فوقهما جماعة.
وقد أشرنا إِلى هذا في قوله تعالى: {فإن كان له إخوة} [النساء: 11] وقولِه تعالى: {إِذ تسوَّروا المحراب} [ص: 11] .