لأن اليمين عَلَى فعل الشيء أو تركه كأنه عقد عليه لعدم مساغ الإقدام عليه شرعًا فإذا كَفَّر
أو استثنى فكأنه حله فهو مُسْتَعَار له مثل العقد. عقدته بالخطاب فاعله والضَّمير البارز راجع
إلى ما وجعله غائبًا بتاء التأنيث فاعله ضمير مستتر راجع إلَى الإيمان ضعيف؛ لأنه مجاز في
الإسناد ولا داعي له. بالْكَفَّارة متعلق بحل. قوله أو الاستثناء مَعْطُوف عَلَى الْكَفَّارة ومعنى
الحل هنا منع العقد وفي الأول رفعه فهو مجاز، وقدم الأول لكونه حَقيقَة عرفية وإن كانت
اسْتعَارَة بالنظر إلَى اللغة.
قوله:(أو الاستثناء فيها بالمشيئة حتى لا تحنث من قولهم: حلل في يمينه إذا استثنى
فيها)بأن يقول عقيب اليمين إن شاء الله سواء كان اليمين باللَّه أو بالطلاق أو العتاق.
قوله: (واحتج به من رأى التحريم مُطْلَقًا أو تحريم المرأة يمينًا، وهو ضعيف) واحتج
به الخ. وهُوَ إمامنا أبو حنيفة رحمه الله تَعَالَى خلافًا [للشافعي] رحمه الله تَعَالَى ودليله أنه لو
لم يكن يمينًا لم يوجب الله تَعَالَى فيه كفارة اليمين لكن التالي باطل فالمقدم مثله، وأَيْضًا قال
تَعَالَى أولًا (لم تحرم) ثم قال: (تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ) فعلم أن
التحريم يمين. والرّوَايَة الْمَذْكُورة وهي أتى عَلَيْهِ السَّلَامُ بلفظ اليمين وإن سلم صحته لكن لا
يقاوم ما فهم من ظَاهر الآية.
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
قوله: واحتج به من رأى التحريم مطلقًا أو تحريم المرأة يمينًا وهو ضعيف. أي احتج بقوله
عز وجل: (قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ) مَن ذهب إلَى أن تحريم الحلال
مُطْلَقًا أو تحريم المرأة يبن وجه الاحتجاج به أن الله تَعَالَى أرشد إلَى طريق كفارة اليمين بعد
معاتبة نبيه بتحريم ما أحل الله له، فعلم منه أن تحريم الحلال يمين وإن ثم يكن بلفظ اليمين؛ إذ لو
لم يكن يمينًا لما فرض عليه كفَّارة اليمين، وهذا الاحتجاج ضعيف؛ لأن وجوب كفارة اليمين في
تحريم الحلال لا يدل عَلَى أنه يمين لجواز أن يشترك أمور مختلفة في كفَّارة معينة عَلَى أنه صلى
الله تَعَالَى عليه وسلم يجوز أن يأتي بلفظ اليمين حين حرم مارية كما روي ذلك عنه وهو قوله
صلى الله تَعَالَى عليه وسلم"لا أقربها بعد اليوم"وهذا رد عَلَى أبي حنيفة رحمه الله فإنه الذي يرى
تحريم الحلال يمينًا في كل شيء ومن تبعه. قَالَ صاحب الكَشَّاف: قد اختلف في حكم تحريم
الحلال، فأبو حنيفة يراه يمينا في كل شيء، ويعتبر الانتفاع المقصود فيما يحرّمه، فإذا حرّم طعاما فقد
حلف على أكله، أو أمة فعلى وطئها، أو زوجة فعلى الإيلاء منها إذا لم يكن له نية، وإن نوى الظهار
فظهار، وإن نوى الطلاق فطلاق بائن، وكذلك إن نوى ثنتين وإن نوى ثلاثا فكما نوى، وإن [قال] : نويت
الكذب ديّن فيما بينه وبين الله تعالى، ولا يدين في القضاء بإبطال الإيلاء. وإن قال: كل حلال عليّ حرام
فعلى الطعام والشراب إذا لم ينو، وإلا فعلى ما نوى، ولا يراه الشافعي يمينًا. ولكن سببًا في الكفَّارة
في النساء وحدهنَّ، وإن نوى الطلاق فهو رجعي عنده. إلَى هنا كلام الكَشَّاف. روى البخاري ومسلم
وابن ماجه والثاني عن ابن عبَّاس قال"من حرم امرأته فليس بشيء وقرأ(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ"
اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) وفي رواية"إذا حرم الرجل امرأته فهي يمين يكفرها وقال:(لَقَدْ"
كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) والثاني أنه أتاه رجل فقال: جعلت أمرأتي
عليَّ حرامًا قال كذبت ليست عليك بحرام ثم تلا هذه الآية. (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ