فالمعرفة: تصوّر صورة الشئِ ومثالِه العلميّ فِي النَّفس، والعلم: حضور أَحواله وصفاته ونسبتها إِليه.
فالمعرفة: نسبة التصوّر، والعلم: نسبة التصديق.
الثاني: أَنَّ المعرفة فِي الغالب تكون لِمَا غاب عن القلب بعد إدراكِه، فإذا أَدركه قيل: عرفه، أَو تكون لِمَا وُصف له بصفات قامت فِي نفسه فإِذا رآه وعلم أَنَّه الموصوف بها قيل: عرفه، قال تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ} ، وقال: {وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} ، وفى الحديث:"إِنَّ الله سبحانه يقول لآخر أَهل الجنّة دخولا: أَتعرف الزمان الذي كنت فيه فيقول: نعم."
فيقول: تمنَّ.
فيتمنَّى على ربّه"."
وقال تعالى: {وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ} .
فالمعرفة نسبة الذِكر النفسيّ وهو حضور ما كان غائباً عن الذاكر، ولهذا كان ضدّها الإِنكار وضدّ العلم الجهل، قال تعالى: {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا} ويقال: عرف الحقَّ فأَقرّ به، وعرفه فأنكره.
الوجه الثالث: أَنَّ المعرفة تفيد تمييز المعروف عن غيره، والعلم يفيد تمييز ما يوصف به عن غيره.
وهذا الفرق غير الأَوّل، فإِنَّ ذلك يرجع
إِلى إِدراك الذات وإِدراك صفاتها، وهذا يرجع إِلى تخليص الذات من غيرها، وتخليص صفاتها من صفات غيرها.
الفرق الرابع: أَنك إِذا قلت: علمت زيداً لم تفد المخاطب شيئاً، لأَنَّه يَنتظر أَن تخبره على أَيّ حال علمته، فإِذا قلت: كريماً أَو شجاعاً حصلت له الفائدة، وإِذا قلت: عرفت زيدا استفاد المخاطب أَنك أَثبتَّه وميّزته عن غيره ولم يبق ينتظر شيئاً آخر.
وهذا الفرق فِي التحقيق إِيضاح الذي قبله.