أي: ليعلمه كائنًا كما علمه قبل الكون أنه سيكون، فيقع الجزاء على
الأعمال لا على علمه بهم وفيهم، فافهم.
نظم بذلك قوله - جلَّ جلالُه -: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ
وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (26) . هذا منتظم المعنى
والمجاورة بقوله:(يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ
اتَّقَى وَأَصْلَحَ...).
ثم قال - عز من قائل: (ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ
وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ ... (27) . كل رسول بعثه الله من بعد نوح - عليه السَّلامُ - فهو مقفى،
ومحمد - صلوات الله عليه وسلامه - هو أعرق وصفًا في هذا؛ لأنه آخر الرسل،
ولذلك كان اسمًا من أسمائه، وأما عيسى فهو المقفي، قفى الرسل قبله ويقفي
محمدًا - صلى الله عليهما وسلم - وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.
نظم بذلك قوله:(وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً
ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ)يعني، وهو أعلم: في أول التنزيل الذي نزلنا عليهم
والشرع الذي شرعناه لهم، لكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله فكتبناها عليهم،
وبآخره يتوجه المعنى: كتبناها عليهم (إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ) وهذا مبني على الأول
(فَمَا رَعَوْهَا) يعني: فما رعاها بعضهم (حَقَّ رِعَايَتِهَا) ومن هنا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
ينهى عن التعمق في الدين وطرح وظائف العبادات وعلى الأنفس، وكان يخاف أن
يلتزموا ما لم يلزموه فيكتب عليهم، وقد قرئت:"ما كتبتها عليهم ولكن ابتدعوها"
وهذا موافق لمعنى ما تقدم ذكره، ثم قال: (فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ) أي: الذين
رعوها (أَجْرَهُمْ) وهو رضوان الله بأحسن ما آتاهم (وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) .
الفاسق عن أمر الله: الخارج منه، وإذا خرج من هدايته فقد صار إلى الضلال،