لذلك سموا: الضالين، كان عيسى - صلوات الله وسلامه عليه - قد أرسله الله -
جل ثناؤه - وأنزل عليه الإنجيل مصدقًا لما بين يديه من التوراة إلى بني إسرائيل،
فمنهم من آمن به، ومنهم من كفر واتبعه المؤمنون منهم، ويقرءون التوراة والإنجيل
ويعملون بما جاءهم به بعد رفعه - صلوات الله وسلامه عليه - إلى أن يظهر ملك
بدل التوراة والإنجيل، وشايعه على ذلك روم ويونان، واجتلب الأساقفة من أقطار
الأرض وانتدبوا ثلاثمائة أسقف وبضعة عبر أسقفًا، واجتمعوا على تأليف قانون
يحملون عليه أهل مماليكهم ففعلوا.
وقتل أتباع عيسى - عليه السَّلام - ومزقوا كل ممزق إلا قليل منهم حمتهم الدولة يومئذٍ،
فبقى أولئك يقرءون التوراة والإنجيل ويعبدون الله، إلى أن خلفهم بعد ذلك خلف
شكوهم إلى ملكهم يومئذٍ، وقالوا: ما سبَّنا أحد بأشد سبًّا سبَّنا به هؤلاء؛ لأنهم
يقرءون في الكتاب التوراة (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ(44)
وفي الإنجيل: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ(45)
و (أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) ، وهذا نحن في كتابنا أيضًا (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ) .
(وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ
وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ).
وقد تقدم ذكر قراءة الكتب الأول في القرآن لمن تفقده ويسر لفهمه رجع
الكلام، قالوا: هذا إلى ما يعيبوننا به ويعدونه علينا في قرآنهم فادعهم، فليقرأوا كما
نقرا، وليؤمنوا كما آمنا، فدعاهم ذلك الملك وجمعهم، وعرض عليهم القتل أو
يتركوا ما هم عليه من قراءة التوراة والإنجيل إلى ما بدل هؤلاء منهما، فقال
المؤمنون: ما تريدون إلى هذا، قالوا: ألا تظهروا بيننا، قالوا: متى ظهرنا لكم فافعلوا
بنا مرادكم، فافترقوا على ثلاث فرق:
قالت طائفة: نتخذ في المواضع الخالية منكم بيوتًا تنقطع منكم لا نداخلكم،