وبيّن أن ما يخلفهم عن الجهاد من المحافظة على الأموال وما يقع فيها من خسران ، فالكل مكتوب مقدّر لا مدفع له ، وإنما على المرء امتثال الأمر ، ثم أدبهم فقال هذا: {لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ على مَا فَاتَكُمْ} أي حتى لا تحزنوا على ما فاتكم من الرزق ؛ وذلك أنهم إذا علموا أن الرزق قد فُرِغ منه لم يأسوا على ما فاتهم منه.
وعن ابن مسعود أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا يجد أحدكم طعم الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه"ثم قرأ {لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ على مَا فَاتَكُمْ} "أي كي لا تحزنوا على ما فاتكم من الدنيا فإنه لم يقدر لكم ولو قدر لكم لم يفتكم {وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ} أي من الدنيا ؛ قاله ابن عباس."
وقال سعيد بن جبير: من العافية والخصب.
وروى عِكرمة عن ابن عباس: ليس مِن أحد إلا وهو يحزن ويفرح ، ولكن المؤمن يجعل مصيبته صبراً ، وغنيمته شكراً.
والحزن والفرح المنهيّ عنهما هما اللذان يتعدّى فيهما إلى ما لا يجوز ؛ قال الله تعالى: {والله لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} أي متكبر بما أوتي من الدنيا ، فخور به على الناس.
وقراءة العامة"آتَاكُمْ"بمد الألف أي أعطاكم من الدنيا.
واختاره أبو حاتم.
وقرأ أبو العالية ونصر بن عاصم وأبو عمرو"أَتَاكُمْ"بقصر الألف واختاره أبو عبيد.
أي جاءكم ، وهو معادل ل"فَاتَكُمْ"ولهذا لم يقل أفاتكم.
قال جعفر بن محمد الصادق: يا بن آدم ما لك تأسى على مفقود لا يردّه عليك الفوت ، أو تفرح بموجود لا يتركه في يديك الموت.
وقيل لبرزجمهر: أيها الحكيم! ما لك لا تحزن على ما فات ، ولا تفرح بما هو آت؟ قال: لأن الفائت لا يتلافى بالْعَبْرَةِ ، والآتي لا يستدام بالحَبْرَةِ.
وقال الفضيل بن عِياض في هذا المعنى الدنيا مُبِيد ومُفِيد ؛ فما أباد فلا رجعة له ، وما أفاد آذن بالرحيل.