ومما يبعث على العجب أن نوعاً آخر من السمك يتغذى على الحشرات الجوية له قدرة مدهشة على تسديد نظره إلى ما يراه فِي الهواء عبر الماء ، ذلك أن الضوء كما ذكرت آنفا ينحرف عند انتقاله من وسط شفاف إلى وسط آخر شفاف مختلف عنه ، فعندما تنظر أيها القارئ إلى ملعقة فِي كأس ماء يخيل إليك أنها انكسرت ، وإذا نظرت إلى شيء ما تحت الماء بدا لك مرتفعاً عن موضعه الحقيقي ، لذلك إذا أردت أن ترمى هدفاً تحت الماء فإن عليك القيام بحساب معقد لتصويب نظرك وسمك"النبال"تعترضه نفس المشكلة لكن فِي اتجاه مضاد فحين يرى حشرة على غصن متدل يقترب من سطح الماء ويرمى الحشرة بقذفة مائية دقيقة قلما تخطئها.
وبوسع سمك (النبال) أن يصيب هدفه على بعد يقارب المترين ولا أحد يدرى كيف اهتدى هذا السمك إلى معرفة قانون انكسار الضوء ولا كيف استطاع أن يصوب رميته تصويباً يعجز الإنسان عنه .. إنما هي قدرة الله الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى.
وقضت حكمة الخلاق العليم إعطاء الأحياء على اختلاف أصنافها وأجناسها كل ما تحتاج إليه من أعضاء ، وما يناسبها ويلائم بيئتها من المؤهلات اللازمة للحياة. فأنشأ لها ما لا يحصى من الأعضاء وأبدع من العضو الواحد ضروباً مختلفة تبعاً لظروف حياة كل موجود.
والعين من هذه الأعضاء التي ابتدعها الخالق وعدلها تعديلاً يناسب صاحب العين فكانت آية فِي الصنع والإتقان وقد رأينا بعض ما أبدع الخالق من أعاجيب فِي عيون الزواحف وبعض الأسماك ، ونتابع الآن النظر فِي أسرار عيون أصناف أخرى من أحياء عالم البحار.
"ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ" (فصلت - 12)