إنها رمز للحياة، وأوّل القاطنين على الأرض، استضافت الإنسان وأعطته مفردات اللغة .. حياتها سكينة وهدوء، ولها سحرها الأخّاذ، تنمو بصمت، ولا تموت إلا بعد عمر مديد .. النظر إليها اطمئنان، والبعد عنها مكابدة، خضرتها تمنح الصفاء والنقاء، والوفاء والهناء .. أسرارها كالبحر زاخرة بوابل الحكمة والمعرفة، وما أدركنا روعة الألوان إلا بها .. لها معانٍ بعيدة لم يُكشَف بعد إلا طلائعها .. هي صديقة الغيث، وهي شفاء .. وإنه لفرق كبير بين أن يرى أحدنا نفسه في صحراء تلفُّها الأعاصير ولا تحيط بها إلا الأودية الشاحبة، وبين أن يرى نفسه في رياض نضرة ملأى بأشجار باسقات واخضرار كالموج ينساب .
والتشجير عبادة يثاب عليها الإنسان .. ولو قامت القيامة وفي يد الإنسان فسيلة - كما في الحديث - فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليفعل .
أشجارنا هي نعمة فلنحمها هذا العطاء الزاهر الوضاء
أبداً هي الأشجار ظلٌّ وارفٌ نُعمى تجمِّل أرضنا وغذاء
وكان من وصية السابقين للمجاهدين:"لا تقطعوا شجراً". فالشجر يسجد لله وينقاد لعظمته: (والنجم والشجر يسجدان) . الرحمن / 6 . والنجم هنا هو النبات الصغير الذي لا ساق له . وقال تعالى: (هو الذي أنزل من السماء ماءً لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون %ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إنّ في ذلك لآية لقوم يتفكرون) .النحل / 10 - 11 . وتمت بيعة الرضوان تحت الشجرة، ووصفت شجرة الزيتون في القرآن بالبركة .
باسقة في علياء السماء
وهنا نقف عند تلك الشجرة الباسقة في علياء السماء، الضاربة بجذورها في عمق الأرض .. نقف عند الشجرة التي حنَّ جذعها إلى الرسول الله صلى الله عليه وسلم لما فارقه حين صُنِعَ له المِنبر، الشجرة المثلى في عطائها واستقامتها ودوام ظلها وطيب ثمرها ووجوده على الدوام .