كل من على وجه الأرض في حكم الفناء من حيث الجواز. ومن حيث الخبر:"ستفنى الدنيا ومن عليها ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام"والوجه": صفة لله - سبحانه - لم يدلّ عليه العقل قطعاً ودلَّ عليه جَوازاً ، وورد الخبر بكونه قطعاً."
ويقال: في بقاءِ الوجه بقاءُ الذات ، لأن الصفة لا تقوم بنفسها ، ولا محالة شَرطها قيامها بنفسه وذاته. وفائدة تخصيص الوجه بالذكر أن ما عداه يُعْرَفُ بالعقل ، والوجه لا يُعْلَمُ بالعقل ، وإنما يُعْرَفُ بالنقل والأخبار. و"يبقى": وفي بقائه. سبحانه خَلَفٌ عن كلِّ تلفٍ ، وتسليةٌ للمسلمين عمَّ يصيبهم من المصائب ، ويفوتهم من المواهب.
يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (29)
أهلُ السماواتِ يسألون أبداً المغفرة ، وأهل الأرض يسألونه الرزق والمغفرَة ، أي لا بُدَّ لأحدٍ منه (سبحانه) .
وفي السماوات والأرض مَنْ لا يسأله: وهم مَنْ قيل فيهم:"مَنْ شَغَلَه ذِكْري عن مسألتي أعطيته أفضلَ ما أُعطي السائلين".
ويقال: ليس كلُّ مَنْ في السماواتِ والأرض يسألونه مِمَّا في السماوات والأرض ولكن:
بين المحبين سِرُّ ليس يُغْشيه... قَوْلٌ ولا قَلَمٌ للخَلْق يحكيه
{كُلَّ يَومٍ هُوَ فِى شَأْنٍ} مِنْ إحياء وإماتة ، وقبض قوم وبَسْطِ قومٍ... وغير ذلك من فنون أقسام المخلوقات ، وما يُجْريه عليها من اختلاف الصفات.
وفي الآية ردُّ على اليهود حيث قالوا: إنَّ اللَّهَ يستريح يومَ السبت لا يفعل شيئاً ، فأخبر أنه كل يوم هو في شأن ، ولو أُخْلِيَ العالَم لحظةً من حِفْظِه لتلاشى وبَطُلَ.
(ومن شأنه أن يغفرَ ذنباً ، ويَسْتُرَ عيباً ، ويُذْهِبَ كرباً) ، ويُطَيِّبُ قلباً ، ويُقْصِي عَبْداً ويُدْنِي عبداً... إلى غير ذلك من فنون الأفعال. وله مع عباده كلَّ ساعَةٍ بِرٌّ جديدٌ ، وسِرٌّ بينه وبين عبده - عن البقاء - بعيد.