من ذلك . وفي كلامِ الزمخشريِّ ما يُجَوِّزُه فإنه أخرجه عن التأكيدِ فقال:"فإنْ قلتَ ما معنى قولِه"فكذَّبوا"بعد قولِه"كَذَّبَتْ"؟ قلت: معناه كذَّبوا فكذَّبوا عبَدنا أي: كذَّبوه تكذيباً عَقِبَ تكذيبٍ كلما مضى منهم قَرَنٌ مُكَذِّبٌ تَبِعه قرنٌ مكذبٌ"فهذا معنى حسن يسوغُ معه التنازعُ . و"مجنون"خبرُ ابتداءٍ مضمر أي: هو مجنون . والدالُ في"ازْدُجِر"بدلٌ مِنْ تاء كما تَقَدَّم . وهل هو مِنْ مَقولِهم ، أي: قالوا: إنه ازْدُجِرَ ، أي: ازْدَجَرَتَهُ الجنُّ ، وذهبَتْ بلُبِّه ، قاله مجاهد ، أو هو مِنْ كلام الله تعالى ، أخبر عنه: بأنه انْتُهِر وزُجِرَ بالسبِّ وأنواع الأذى .
فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (10)
قوله: {أَنِّي مَغْلُوبٌ} : العامَّةُ على فتح الهمزة ، أي: دعاه بأني مغلوبٌ وجاء هذا على حكاية المعنى ولو جاء على حكاية اللفظِ لقال: إنه مغلوبٌ ، وهما جائزان . وقرأ ابنُ أبي إسحاق والأعمشُ ورُويت عن عاصمٍ بالكسر: إمَّا على إضمارِ القولِ ، أي: فقال ، فَسَّر به الدعاءَ ، وهو مذهبُ البصريين ، وإمَّا إجراءً للدعاءِ مُجْرى القولِ وهو مذهبُ الكوفيين . وقد تقدَّم الخلاف في"فَتَحْنا"في الأنعام ولله الحمد .
فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (11)
قوله: {مُّنْهَمِرٍ} : المنهمر: الغزيرُ النازلُ بقوة . وأُنشد:
4158 راحَ تَمْرِيْه الصَّبا ثم انتحى ... فيه شُؤْبُوْبُ جَنوبٍ مُنْهَمِرْ
/ واسْتُعير ذلك في قولهم: هَمَر الرجلُ في كلامِه ، وفلانٌ يُهامِر الشيءَ ، أي: يَجْرُفُهُ ، وهَمَرَه مِنْ ماله: أعطاه بكثرةٍ .