كل خاصة كيميائية أو فيزيائية في هذا الكون أمكننا فحصها أتت في مكانها المناسب ودورها الصحيح بالضبط، كما أتت طبقاً لما تحتاجه مساهمتها في نظام الحياة لتحافظ عليها، ومع كل تلك الدراسة في هذا الكتاب فإننا لم نخط على سطح الدليل الشامل للحقيقة سوى خدش بسيط منها، ومهما تعمق الإنسان في التنقيب عن معلومات وتفاصيل، ومهما توسع بالبحث فستبقى تلك النظرة العامة التي ذكرناها حقيقة، ففي كل تفصيل لدقيقة من دقائق هذا الكون يوجد هدف يخدم حياة الإنسان، وكل جزء دقيق مهما كان صغيراً في هذا الكون صمم ليكون كاملاً ومتوازناً ومتناسقاً ومضبوطاً لإنجاز الهدف من وجوده .
بالتأكيد هذا برهان على وجود خالق أسمى، وهذا الخالق هو الذي أتى بهذا الكون وأظهره في هذا الوجود لهذا الغرض، فكل مادة نفحص خواصها نرى فيها معلومات لا نهاية ولا حدود لها، وتبدو فيها حكمة الله وقدرته، فالله خلقها من العدم فأتى كل شيء ينحني لإرادته تعالى، وهذا هو السبب في أن كل شيء وأي شيء في الكون يتناسق مع كل شيء آخر فيه .
هذا هو الاستنتاج الذي توصل إليه أخيراً علم القرن العشرين، وما ذاك إلا كشف لحقيقة بينها الله للإنسان في القرآن قبل أربعة عشر قرناً مضى، وقد خلق الله كل جزء في هذا الكون ووضع كمال خلقه في الآية التالية:
قال تعالى (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الملك: 1) .
المصدر: كتاب خلق الكون من العدم هارون يحيى .