{وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ} يعني: كنتم صغاراً {فِى بُطُونِ أمهاتكم} كان هو أعلم بحالكم منكم في ذلك كله ، {فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ} يعني: لا تبرؤوا أنفسكم من الذنوب ، ولا تمدحوها.
ويقال: {وَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ} يعني: لا يمدح بعضكم بعضاً.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"إذا رَأَيْتُمُ المَدَّاحِينَ فَاحْثُوا فِي وُجُوهِهِمُ التُّرابَ".
والمدح على ثلاثة أوجه: أوله أن يمدحه في وجهه ، فهو الذي نهي عنه.
والثاني: أن يمدحه بغير حضرته ، ويعلم أنه يبلغه ، فهو أيضاً منهي عنه.
والثالث: أن يمدحه في حال غيبته ، وهو لا يبالي بلغه أو لم يبلغه ، ويمدحه بما هو فيه ، فلا بأس بهذا.
ويقال: {فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ} يعني: لا تطهروا أنفسكم من العيوب.
وهذا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"النَّاسُ كَإِبِلٍ مِائَةٍ لَمْ يَكُنْ فِيهَا رَاحِلَةً".
{بِمَنِ اتقى} يعني: من يستحق المدح ، ومن لا يستحق المدح.
ثم قال: {أَفَرَأَيْتَ الذي تولى} يعني: أعرض عن الحق ، وهو الوليد بن المغيرة ، ومن كان في مثل حاله {وأعطى قَلِيلاً} يعني: وأنفق قليلاً من ماله {وأكدى} يعني: هو أمسك عن النفقة.
قال مقاتل: أنفق الوليد بن المغيرة على أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم نفقة قليلة ، ثم انتهى عن ذلك.
وقال القتبي: {وأكدى} أصله من كديه الدكية وهي الصلابة فيها.
فإذا بلغها الحافر ، يبس حفرها ، فقطع الحفرة.
يعني: تركها.
فقيل: لمن طلب شيئاً ، ولم يدرك أخره ، وأعطى شيئاً ، ولم يتم وأكدى.
ثم قال عز وجل: {عِلْمُ الغيب فَهُوَ يرى أَمْ} يعني: أعنده علم الآخرة {فَهُوَ يرى} صنيعه.
وقيل: يعلم ما في اللوح المحفوظ ، فيرى صنيعه.
{أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِى صُحُفِ موسى} يعني: ألم يخبر بما بيّن الله تعالى في صحف موسى.