قال المفسرون: أي: بلغ قومه ما أمر به وأدّاه إليهم ، وقيل: بالغ في الوفاء بما عاهد الله عليه ، ثم بيّن سبحانه ما في صحفهما ، فقال: {أَلاَّ تَزِرُ وازرة وِزْرَ أخرى} أي: لا تحمل نفس حاملة حمل نفس أخرى ، ومعناه: لا تؤخذ نفس بذنب غيرها ، وأن هي المخففة من الثقيلة ، واسمها ضمير شأن مقدّر ، وخبرها الجملة بعدها ، ومحل الجملة الجرّ على أنها بدل من صحف موسى ، وصحف إبراهيم ، أو الرفع على أنها خبر مبتدأ محذوف ، وقد مضى تفسير هذه الآية في سورة الأنعام {وَأَن لَّيْسَ للإنسان إِلاَّ مَا سعى} عطف على قوله: {أَلاَّ تَزِرُ} وهذا أيضاً مما في صحف موسى ، والمعنى: ليس له إلاّ أجر سعيه ، وجزاء عمله ، ولا ينفع أحداً عمل أحد ، وهذا العموم مخصوص بمثل قوله سبحانه:
{أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْ} [الطور: 21] ، وبمثل ما ورد في شفاعة الأنبياء ، والملائكة للعباد ، ومشروعية دعاء الأحياء للأموات ، ونحو ذلك ، ولم يصب من قال: إن هذه الآية منسوخة بمثل هذه الأمور ، فإن الخاصّ لا ينسخ العام بل يخصصه ، فكل ما قام الدليل على أن الإنسان ينتفع به وهو من غير سعيه ، كان مخصصاً لما في هذه الآية من العموم: {وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يرى} أي: يعرض عليه ويكشف له يوم القيامة {ثُمَّ يُجْزَاهُ} أي: يجزى الإنسان سعيه ، يقال: جزاه الله بعمله ، وجزاء على عمله ، فالضمير المرفوع عائد إلى الإنسان ، والمنصوب إلى سعيه.
وقيل: إن الضمير المنصوب راجع إلى الجزاء المتأخر وهو قوله: {الجزاء الأوفى} فيكون الضمير راجعاً إلى متأخر عنه هو مفسر له ، ويجوز أن يكون الضمير المنصوب راجعاً إلى الجزاء الذي هو مصدر يجزاه ، ويجعل الجزاء الأوفى تفسيراً للجزاء المدلول عليه بالفعل ، كما في قوله: {اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ} [المائدة: 8] قال الأخفش: يقال: جزيته الجزاء ، وجزيته بالجزاء سواءً لا فرق بينهما.