الجواب الثاني: إن الإيثار بالقرب يدل على قلة الرغبة فيها، والتأخر عن فعلها، فلو ساغ الإيثار بها لأفضى إلى التقاعد والتكاسل والتأخر، بخلاف إهداء
ثوابها فإن العامل يحرص عليها لأجل ثوابها لينتفع به أو ينفع به أخاه المسلم فبينهما فرق ظاهر.
الجواب الثالث: إن اللّه سبحانه يحب المبادرة والمسارعة إلى خدمته والتنافس فيها، فإن ذلك أبلغ في العبودية، فإن الملوك تحب المسارعة والمنافسة في طاعتها وخدمتها، فالإيثار بذلك مناف لمقصود العبودية، فإن اللّه سبحانه أمر عبده بهذه القربة إما إيجابا وإما استحبابا، فإذا آثر بها ترك ما أمره وولاه غيره، بخلاف ما إذا فعل ما أمر به طاعة وقربة ثم أرسل ثوابه إلى أخيه المسلم وقد قال تعالى: {سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ والْأَرْضِ}
وقال: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ
ومعلوم أن الإيثار بها ينافي الاستباق إليها والمسارعة.
وقد كان الصحابة يسابق بعضهم بعضا بالقرب، ولا يؤثر الرجل منهم غيره بها، قال عمر: واللّه ما سابقني أبو بكر إلى خير إلا سبقني إليه - حتى قال: واللّه لا أسابقك إلى خير أبدا.
وقد قال تعالى: {وفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ}
يقال: نافست في الشيء منافسة ونفاسا إذا رغبت فيه على وجه المباراة، ومن هذا قولهم شيء نفيس أي: هو أهل أن ينافس فيه ويرغب فيه، وهذا أنفس ما لي أي أحبه إلي، وأنفسني فلان في كذا، أي أرغبني فيه، وهذا كله ضد الإيثار به والرغبة عنه.
[فصل: الرد على أنه لو ساغ الإهداء للميت لجاز للحي]
وأما قولكم لو ساغ الإهداء إلى الميت لساغ إلى الحي فجوابه من وجهين!
أحدهما: أنه قد ذهب إلى ذلك بعض الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم، قال القاضي: وكلام أحمد لا يقتضي التخصيص بالميت، فإنه قال يفعل الخير ويجعل نصفه لأبيه وأمه لم يفرق. واعترض عليه أبو الوفاء بن عقيل وقال: هذا فيه بعد، وهو تلاعب بالشرع، وتصرف في أمانة اللّه، وإسجال على اللّه سبحانه بثواب على عمل يفعله إلى غيره، وبعد الموت قد جعل لنا طريقا إلى إيصال النفع كالاستغفار والصلاة على الميت.
ثم أورد على نفسه سؤالا وهو فإن قيل: أليس قضاء الدين وتحمل الكل حال الحياة كقضائه بعد الموت فقد استوى ضمان الحياة وضمان الموت في أنهما يزيلان المطالبة عنه، فإذا وصل قضاء الديون بعد الموت وحال الحياة فاجعلوا ثواب الإهداء واصلا حال الحياة بعد الموت.