وهذا جواب متوسط يحتاج إلى تمام، فإن العبد بإيمانه وطاعته للّه ورسوله قد سعى في انتفاعه بعمل إخوانه المؤمنين من عمله، كما ينتفع بعملهم في الحياة مع عمله، فإن المؤمنين ينتفع بعضهم بعمل بعض في الأعمال التي يشتركون فيها، كالصلاة في جماعة، فإن كل واحد منهم تضاعف صلاته إلى سبعة وعشرين ضعفا لمشاركة غيره له في الصلاة، فعمل غيره كان سببا لزيادة أجره، كما أن عمله سبب لزيادة أجر الآخر، بل قد قيل: إن الصلاة يضاعف ثوابها بعود المصلين، وكذلك اشتراكهم في الجهاد والحج، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعاون على البر والتقوى، وقد قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا» وشبك بين أصابعه «1» .
ومعلوم أن هذا بأمور الدين أولى منه بأمور الدنيا، فدخول المسلم مع جملة المسلمين في عقد الإسلام من أعظم الأسباب في وصول نفع كل من المسلمين إلى صاحبه في حياته وبعد مماته، ودعوة المسلمين تحيط من ورائهم. وقد أخبر اللّه سبحانه عن حملة العرش ومن حوله أنهم يستغفرون للمؤمنين ويدعون لهم. وأخبر عن دعاء رسله واستغفارهم للمؤمنين كنوح وإبراهيم ومحمد صلى اللّه عليه وآله وسلم ..
فالعبد بإيمانه قد تسبب إلى وصول هذا الدعاء إليه فكأنه من سعيه. يوضحه أن اللّه سبحانه جعل الإيمان سببا لانتفاع صاحبه بدعاء إخوانه من المؤمنين وسعيهم، فإذا أتى به فقد سعى في السبب الذي يوصل إليه، وقد دل على ذلك قول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لعمرو بن العاص: «إن أباك لو كان أقر بالتوحيد نفعه ذلك» يعني العتق الذي فعل عنه بعد موته. فلو أتى بالسبب لكان قد سعى في عمل يوصل إليه ثواب العتق. وهذه طريقة لطيفة حسنة جدا.
وقالت طائفة أخرى: القرآن لم ينف انتفاع الرجل بسعي غيره، وإنما نفى ملكه لغير سعيه، وبين الأمرين من الفرق ما لا يخفى، فأخبر تعالى أنه لا يملك إلا سعيه، وأما سعي غيره فهو ملك لساعيه، فإن شاء أن يبذله لغيره، وإن شاء أن يبقيه لنفسه، وهو سبحانه لم يقل: لا ينتفع إلا بما سعى، وكان شيخنا يختار هذه الطريقة ويرجحها.
[فصل: نفي عقوبة العبد بعمل غيره]
وكذلك قوله تعالى {لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ}
وقوله {ولا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}