بذلك كل ما فصله له بعد، وإذا كانت (ما) هنا عامة فهي اسم في معنى المفعول؛
لأنها بمعنى: الذي، كأنه قال: فأوحى إلى عبده الذي أوحى، ويكون أيضًا مع ذلك
بمعنى التعجيب والتعظيم لقدر ما أوحى به إليه، إذ هو الذي أوحى إليه حينئذٍ شامل
بركته غير الدنيا والآخرة ولا أعظم قدرًا مما أوحى به.
ولما كانت الصلاة هي الحاجز بين الإسلام والشرك جعلت لذلك كالعنوان
ويقرب لك تعرف بعض تعظيم ما عظمه وما عجب به قوله:"فرض عليَّ خمسين"
صلاة"وإن في ذلك إشغال الفراغ كله، ثم تفضل فعفا عن جل حقه وردها إلى"
خمس، وذلك دون الطاقة بكثير، ثم تفضل بأن جعل الصلاة بعشر صلوات فهي
خمسون، لا يبدل القول لديه - عز جلاله - ثم تفضل بأن أوجب علينا الصلاة في
الجماعة ورفعها في الأجر بالتضعيف إلى سبع وعشرين صلاة من صلاة الفذ، ثم
رفع التضعيف بالكرام الكاتبين - عليهم السلام - في صلاة الصبح وصلاة العصر
بشهادتهم للمؤمنين وكتبهم صلاة الصبح في صحيفتين، فرفع وله الحمد بذلك
صلاة الثنائية إلى ما يزيد على الخمسين.
وكذلك فعل بالصلاة الرباعية في صلاة العصر، وهذا مما لا مرية فيه والحمد
لله رب العالمين ذلك فضله وبركة قوله وفضل كلامه وصدقه:"هي خمس وهي"
خمسون لا يبدل القول لدي"وكان الذي علمه جبريل - عليه السَّلامُ - القرآن وسئل الوحي،"
وكان الذي أوحى إليه ربه ما فضله له بعد إلى يوم وفاته، ثم إلى ما يفتحه بعده على
علماء أمته إلى يوم القيامة ليبين للناس ما نزل إليهم لعلهم يتفكرون.
قال الله - جلَّ جلالُه -: (حم(1) عسق (2) كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ
الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (4) ...).
ثم قال: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) .
ثم قال:(وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا
الْإِيمَانُ)إلى آخر السورة.
يقول الله - جل ثناؤه: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى(11) .