الدنو، قاب القوس: ما بين السيَّتين، وقيل قاب القوس: ما بين القبضة والوتر منه،
وقيل: لكل قوس قابان فمن القبضة إلى السيَّة قاب، ومنها إلى السيَّة الأخرى قاب،
والعرض يعرف هذا القرب والمتقرب منه وقد علمنا أنه - جل ثناؤه - القريب لا
أقرب منه فما معناه وما المراد به.
وقد تقدم أن القرب قربان: قرب خلقة، فهو أقرب إلى كل موجود من نفس
ذلك الموجود، وأقرب إلى العين من القوة الباصرة، وأقرب من الروح إلى حامله،
ومن حياة الحي إلى الحي، وقرب آخر هو: قرب ولاية، هو أغرق في وصف
القرب من الأول حتى عبر عنه بقوله الحق:"إني لأجد الغالب على قلب عبد ذكري"
إلا كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله
التي يمشي بها"وحتى قال:"ابن آدم، مرضت فلم تعدني، وجعت فلم تطعمني،
وظمئت فلم تسقني، وكنت عريانًا فلم تكسني..."وفيه:"أما أنك لو فعلت ذلك
بعبدي فعلته بي"وهذا أقرب والذي قبله لم يذكر فيه مكان ولا عرض إليه، وقد"
ذكر فيما هاهنا قطع المسافات وذكر المركوب وهو البراق، وذكر المعراج
والصعود، وتفتتح أبواب السماوات سماء سماء، والذهاب إلى سدرة المنتهى، ثم
التقدم مع الاعتلاء إلى الظهور إلى المستوى.
وقال الله - جل من قائل: (ثُمَّ دَنَا) أي: هو - جلَّ جلالُه - وهو أعلم بما ينزل (فَتَدَلَّى)
اًي: الرسول - صلى الله عليه وسلم - ثم وصف القرب وقياسه بأقرب ما يكون من وصف
المجالسة والوقوف بين يدي الملك اللهم علمنا من علمك وأجزل حظنا من
معرفتك، وأحسن عوننا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
نظم بذلك - عز وجل -: (فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى(10) . وقال رسول الله
-صلى الله عليه وسلم -:"حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام، فأوحى إليَّ ما أوحى"
وفي أخرى:"ففرض عليَّ ربي خمسين صلاة..."وكلام الله - جلَّ ذكره - يسع
كل شيء حينئذٍ أوحى إليه مجملاً كلما فصله بعد وجعل له فرض الصلوات
كالعنوان، لذلك فـ (ما) عامة لكل ما أوحي إليه أناله من بركة قربه روحًا منه جمع له