يقول - جل من قائل: (مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ ...(2) . أي: عن سبيل النبوة (وَمَا غَوَى)
أي: ما أغواه شيطان ولا استهواه، فإن الرسول محروس من الشياطين
كما السماء محروسة منهم، فاعلم ذلك.
ثم قال: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى(3) . أي: بالكذب الذي يكون في سبيل
الكهانة والسحر والشعر والجنون، ولا بقوله من تلقاء نفسه: (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ
يُوحَى (4) . أي: من الله العلي الأعلى.
(عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى(5) . جبريل - صلوات الله وسلامه عليهما.
(ذُو مِرَّةٍ ...(6) . أي: ذو قوة وأيد أيده الله به (فَاسْتَوَى) هذا وصف
للنبي - صلى الله عليه وسلم - أي: استوى نبوة وحلمًا وعلما وحكمًا، ولما استوى نبوة وعلمًا أسري به
إلى السماوات العلا وإلى [سِدْرَةِ] الْمُنْتَهَى إلى أن استوى للمستوى حيث سمع فيه
صريف الأقلام في الأفق الأعلى، وهذا وصف أعني (وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى(7) . لجبريل
ومحمد - صلى الله عليهما وسلم.
بيّن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك بقوله وقد فرغ من وصف لقيا الأنبياء - عليهم السلام -
ومن وصف البيت المعمور على ظهر السماء السابعة ولقاء إبراهيم - عليه السَّلام - فيما هنالك
قال:"ثم رفعت إلى [سِدْرَةِ] الْمُنْتَهَى"إليها ينتهي ما ينزل به من علو فيتلقى هنالك
وإليها ينتهي ما يصعد به من سفل فيتلقى هنالك قال:"فرفعت حتى ظهرت لمستوى"
أسمع فيه صريف الأقلام"."
عبر عن حاله هذه القرآن بقوله الحق: (ثُمَّ دَنَا ...(8) . من الدنو (فَتَدَلَّى)
وهذا وصف لمصعد صعب لا يرتقي فيه إلا بمعونة زائدة وأيدٍ من الله محدد، ويمكن
أن يقدر هنا محذوف، وهو: ذكر الدنو ثانية، فكأنه قال: ثم دنا فتدلى فدنا، ويمكن
أن يكون تقدير القول: ثم تدلى فدنا، ويمكن أن يكون المعنى: فتدلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
فدنا الله - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه، لأنه عز ذكره يوصف بالدنو ولا يوصف
بالتدلي، إنما التدلي وصف للمخلوق.
يقول الله - جل ثناؤه: (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى(9) . الله أعلم ما هو