«وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ مِمَّنْ يُوَجِّهُ تَأْوِيلَ «إِلَّا» فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إِلَى هَذَا الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ يَقُولُ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ: لَمْ يُؤْذَنْ لَهُمْ فِي اللِّمَمِ، وَلَيْسَ هُوَ مِنَ الْفَوَاحِشِ، وَلَا مِنْ كَبَائِرِ الْإِثْمِ، وَقَدْ يُسْتَثْنَى الشَّيْءُ مِنَ الشَّيْءِ، وَلَيْسَ مِنْهُ عَلَى ضَمِيرٍ قَدْ كُفَّ عَنْهُ فَمَجَازُهُ، إِلَّا أَنْ يُلِمَّ بِشَيْءٍ لَيْسَ مِنَ الْفَوَاحِشِ وَلَا مِنَ الْكَبَائِرِ قَالَ: الشَّاعِرُ:
وَبَلْدَةٍ لَيْسَ بِهَا أَنِيسُ ... إِلَّا الْيَعَافِيرُ وَإِلَّا الْعِيسُ
وَالْيَعَافِيرُ: الظِّبَاءُ، وَالْعِيسُ: الْإِبِلُ وَلَيْسَا مِنَ النَّاسِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ بِهِ أَنِيسٌ، غَيْرَ أَنَّ بِهِ ظِبَاءً وَإِبِلًا
وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْيَعْفُورُ مِنَ الظِّبَاءِ الْأَحْمَرُ، وَالْأَعْيَسُ: الْأَبْيَضُ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَى أَدْرَكَهُ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَزِنَى الْعَيْنَيْنِ النَّظَرُ وَزِنَى اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَتَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ»
عَنْ مَسْرُوقٍ: {إِلَّا اللَّمَمَ} قَالَ: «إِنْ تَقَدَّمَ كَانَ زِنًى، وَإِنْ تَأَخَّرَ كَانَ لَمَمًا»
[عن] ابْنِ لُبَابَةَ الطَّائِفِيُّ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ} قَالَ: «الْقِبْلَةُ، وَالْغَمْزَةُ، وَالنَّظْرَةُ، وَالْمُبَاشَرَةُ إِذَا مَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ، وَهُوَ الزِّنَى»
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ذَلِكَ اسْتِثَنَاءٌ صَحِيحٌ، وَمَعْنَى الْكَلَامِ: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِلَّا أَنْ يُلِمَّ بِهَا ثُمَّ يَتُوبُ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، {إِلَّا اللَّمَمَ} قَالَ: «هُوَ الرَّجُلُ يُلِمُّ بِالْفَاحِشَةِ ثُمَّ يَتُوبُ»
قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
إِنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمًّا ... وَأَيُّ عَبْدٍ لَكَ لَا أَلَمَّا