(فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً) قرأ الجمهور بالمد، وقرئ بالقصر أي فإما أن تمنوا عليهم بعد الأسر وشد الوثاق مناً أو تفدوا فداء، والمن الإطلاق بغير عوض والفداء ما يفدى به الأسير نفسه من الأسر، ولم يذكر القتل هنا اكتفاء بما تقدم، وإنما قدم المن على الفداء لأنه من مكارم الأخلاق ولهذا كانت العرب تفتخر به كما قال شاعرهم:
ولا نقتل الأسرى ولكن نفكهم ... إذا أثقل الأعناق حمل المغارم
قال ابن عباس في الآية: جعل الله النبي والمؤمنين بالخيار في الأسارى إن شاؤوا قتلوهم، وإن شاؤوا استعبدوهم، وإن شاؤوا فادوهم، وعنه أيضاً قال: هذا منسوخ نسختها: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين) وعن الحسن قال: أتى الحجاج بأسارى فدفع إلى ابن عمر رجلاً يقتله فقال ابن عمر ليس بهذا أمرنا إنما قال الله: (حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً) .
وعن ليث قال: قلت لمجاهد بلغني أن ابن عباس قال لا يحل قتل الأسارى لأن الله قال: (فإما منا بعد وإما فداء) ، فقال مجاهد: لا تعبأ بهذا شيئاً أدركت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلهم ينكر هذا ويقول هذه منسوخة، إنما كانت في الهدنة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبين المشركين، فأما اليوم فلا، يقول الله: (اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) أو يقول: (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب) فإن كان مشركو العرب لم يقبل منهم إلا الإسلام فإن لم يسلموا فالقتل، وأما من سواهم فإنهم إذا أسروا فالمسلمون فيهم بالخيار، إن شاؤا قتلوهم وإن شاؤا استحيوهم، وإن شاؤوا فادوهم إذا لم يتحولوا عن دينهم فإن أظهروا الإسلام لم يفادوا.
"ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن قتل الصغير والمرأة والشيخ الفاني"، ثم ذكر سبحانه الغاية لذلك فقال: