قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ أي: لا يتوقعون وقائع الله بأعدائه، أو للذين لا يؤمّلون الأوقات التي وقّتها الله تعالى لثواب المؤمنين، ووعدهم الفوز فيها، قل للمؤمنين أن يعفوا عن هؤلاء ويصفحوا. قال ابن كثير: (وكان هذا في ابتداء الإسلام، أمروا أن يصبروا على أذى المشركين، وأهل الكتاب، ليكون ذلك كالتأليف لهم، ثمّ لمّا أصروا على العناد شرع الله للمؤمنين الجلاد والجهاد) ثم بيّن الله عزّ وجل الحكمة في هذا الأمر فقال: لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ قال ابن كثير: (أي إذا صفحوا عنهم في الدنيا فإن الله عزّ وجل يجازيهم بأعمالهم السيئة في الآخرة) وقال النسفي: هذا تعليل الأمر بالمغفرة، أي: إنما أمروا بأن يغفروا ليوفيهم جزاء مغفرتهم يوم القيامة، وتنكير قَوْماً على المدح لهم، وكأنه قيل: ليجزي أيّما قوم قوما مخصوصين بصبرهم على أذى أعدائهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ أي: من الإحسان. هكذا فسّرها النسفي. وقال ابن كثير: أي: إذا صفحوا عنهم في الدنيا فإن الله عزّ وجل يجازيهم بأعمالهم السيئة في الآخرة ولهذا قال تعالى:
مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها أي: لها الثواب وعليها العقاب ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ فيجازيكم. قال ابن كثير: أي: تعودون إليه يوم القيامة فتعرضون بأعمالكم عليه،
فيجزيكم بأعمالكم خيرها وشرها، وإذ قرر الله عزّ وجل اقتضاء النعمة للشكر، واقتضاء الشكر والكفر للحساب والعقاب، وبعد أن أمر المؤمنين بالصفح عن الكافرين، وهذا في سياق إنزال الكتاب، فمن ثمّ يحدثنا الله عزّ وجل عن أن هذا الإنزال على محمد صلّى الله عليه وسلم ليس بدعا، وما تقابل به هذه الشريعة ليس جديدا، وما يحدث من اختلاف عليها ليس غريبا قال تعالى:
وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ أي:
أي: التوراة وَالْحُكْمَ أي: الحكمة والفقه، أو فصل الخصومات بين الناس.
وَالنُّبُوَّةَ فكان الأنبياء فيهم كثيرين وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أي: مما أحل الله لهم وأطاب من الأرزاق وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ أي: على عالمي زمانهم