هذا الأفاك الأثيم. آية إفكه وعلامة إثمه ، أنه يصر على الباطل ويستكبر على الحق ويتعالى عن الخضوع لآيات الله ، ولا يتأدب بالأدب اللائق مع الله:
{يسمع آيات الله تتلى عليه ، ثم يصر مستكبراً كأن لم يسمعها} ..
وهذه الصورة البغيضة ولو أنها صورة فريق من المشركين في مكة ، إلا أنها تتكرر في كل جاهلية ، وتتكرر اليوم وغداً. فكم في الأرض ، وبين من يقال إنهم مسلمون ، من يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبراً كأن لم يسمعها ؛ لأنها لا توافق هواه ، ولا تسير مع مألوفه ، ولا تعاونه على باطله ، ولا تقره على شره ، ولا تتمشى له مع اتجاه!
{فبشره بعذاب أليم} ..
والبشارة للخير. فهي هنا للسخرية. فإذا كان لا يسمع النذير ، فليأته الويل المنظور ، في صوت البشير! زيادة في السخرية والتحقير!
{وإذا علم من آياتنا شيئاً اتخذها هزواً} ..
بعد أن يعلمها ويعرف مصدرها. وهذه أشد وأنكى. وهي صورة كذلك مكرورة في الجاهليات الأولى والأخيرة. وكم من الناس. وبين من يقال إنهم مسلمون. من يستهزئ بآيات الله التي يعلمها ، ويتخذها مادة للسخرية منها وممن يؤمنون بها ؛ ومن يريدون أن يرجعوا أمر الناس والحياة إليها.
{أولئك لهم عذاب مهين} ..
فالمهانة هي الجزاء المناسب لمن يستهزئ بآيات الله وهو يعلمها.
وهو عذاب حاضر قريب ؛ وإن كان موعده آتياً بعد حين. ولكنه في حقيقته قائم موجود:
{من ورائهم جهنم} ..
ولفظ {من ورائهم} مقصودة ظلاله فوق معناه. وظلاله.. أنهم لا يرونه لأنه من ورائهم ولا يتقونه لأنهم في غفلة عنه ؛ ولا يفوتهم فهم سيقعون فيه!
{ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئاً ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء} ..