كانوا يزعمون أن مرور الأيام ، والليالي هو المؤثر في هلاك الأنفس ، وينكرون ملك الموت ، وقبضه الأرواح بأمر الله ، وكانوا يضيفون كل حادثة وحدث إلى الدهر والزمان , وترى أشعارهم ناطقة بشكوى الزمان ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم ( لا تسبوا الدهر ، فإن الله هو الدهر ) أي: فإن الله هو الآتي بالحوادث لا الدهر . انتهى .
وقال الخطابي ، معناه أنا صاحب الدهر , ومدبر الأمور التي تنسبونها إلى الدهر . فمن سب الدهر من أجل أنه فاعل هذه الأمور ، عاد سبه إلى ربه الذي هو فاعلها . وإنما الدهر زمان جعل ظرفاً لمواقع الأمور . وكان عادتهم إذا أصابهم مكروه أضافوه إلى الدهر فقالوا: بؤساً للدهر ، وتباً للدهر . انتهى .
قال ابن كثير: وقد غلط ابن حزم . ومن نحا نحوه من الظاهرية ، في عدّهم الدهر من الأسماء الحسنى ؛ أخذاً من هذا الحديث . انتهى .
تنبيه:
في هذه الآية رد على الدهرية ، وهم المعطلة بأن متمسكهم ظن وتخمين . لم يشم رائحة اليقين . وما هذا سبيله ، فباب القبول في وجهه مسدود: {إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً} [يونس: 36] .
قال الشهرستاني في معطلة العرب: فصنف منهم أنكروا الخالق ، والبعث ، والإعادة ، وقالوا بالطبع المحيي والدهر المنفي . وهم الذين أخبر عنهم القرآن المجيد: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا} . إشارة إلى الطبائع المحسوسة في العالم السفلي ، وقصر الحياة والموت على تركبها وتحللها .