أحدها: أنه على الحقيقة ؛ روى أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"ما مِنْ مُسْلِمٍ إٍلاّ وله في السماء بابان ، باب يصعَدُ فيه عمله ، وباب ينزل منه رزقه ، فإذا مات بكيا عليه"
وتلا صلى الله عليه وسلم هذه الآية.
وقال علي رضي الله عنه: إِن المؤمن إذا مات بكى عليه مُصَلاّه من الأرض ومَصْعَد عمله من السماء ، وإِن آل فرعون لم يكن لهم في الأرض مُصَلّى ولا في السماء مَصْعَد عمل ، فقال الله تعالى: {فما بَكَتْ عليهم السماء والأرض} ، وإِلى نحو هذا ذهب ابن عباس ، والضحاك ، ومقاتل ، وقال ابن عباس: الحُمرة التي في السماء: بكاؤها.
وقال مجاهد: ما مات مؤمن إِلا بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحاً ، فقيل له: أو تَبكي؟ قال: وما للأرض لا تبكي على عبد كان يعمرها بالركوع والسجود؟!.
وما للسماء لا تبكي على عبد كان لتسبيحه وتكبيره ، فيها دَويّ كَدَويَّ النحل؟!.
والثاني: أن المراد: أهل السماء وأهل الأرض ، قاله الحسن ، ونظير هذا قوله تعالى: {حتى تَضَعَ الحربُ أوزارَها} [محمد: 4] ، أي: أهل الحرب.
والثالث: أن العرب تقول: إِذا أرادت تعظيمَ مَهِلكِ عظيمٍ: أظلمت الشمسُ له ، وكَسَفَ القمرُ لفقده ، وبكتْه الرّيحُ والبرقُ والسماءُ والأرضُ ، يريدون المبالغة في وصف المصيبة ، وليس ذلك بكذب منهم ، لأنهم جميعاً متواطئون عليه ، والسّامِعُ له يَعرف مذهبَ القائل فيه ؛ ونيَّتُهم في قولهم: أظلمت الشمسُ كادت تُظْلِم ، وكَسَفَ القمرُ: كاد يَكْسِف ، ومعنى"كاد": هَمَّ أن يَفعَل ولم يفعل ؛ قال ابن مُفَرِّغ يرثي رجلاً:
الرِّيحُ تَبْكِي شَجْوَهُ ...
والبَرْقُ يَلْمَعُ في غَمامَهْ
وقال الآخر:
الشَّمْسُ طالِعَةٌ لَيْسَتْ بكاسِفةٍ ...
تَبْكِي عَلَيْكَ نُجُومَ اللَّيْلِ والْقَمَرا