قالوا: الحق الذي طالب به موسى قوم فرعون هو أنْ يأخذ بني إسرائيل، وأنْ يخرجهم من العذاب المهين الذي يُلاقونه من قوم فرعون وهذه هي مهمة موسى الأولى، أما دعوته لفرعون فكانت على هامش المهمة الأساسية، وكلامه مع فرعون زائد على مهمته وعن التشريع الذي أتى به بني إسرائيل.
وسبب اضطهاد قوم فرعون لبني إسرائيل أن الهكسوس لما دخلوا مصر عاثوا فيها فساداً، وكان بنو إسرائيل يعاونون الهكسوس ويساعدونهم، فلما خرج الهكسوس من مصر لم يَعُدْ لهم عدو إلا بني إسرائيل لذلك اضطهدوهم.
وكما حكى القرآن:
{يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ} [البقرة: 49] فجاء سيدنا موسى أصلاً لإنقاذ بني إسرائيل من العذاب وليُخرجهم من مصر.
فالحق سبحانه وتعالى لطف ببني إسرائيل لأنهم كانوا هم المؤمنين في هذا الوقت وكان الآخرون وثنيين.
إذن معنى: {أَدُّواْ إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ} [الدخان: 18] يعني: اعطوني بني إسرائيل الذين تُعذِّبونهم واتركُوني وشأني.
ومن إعجاز القرآن أنه لما تكلَّم عن حاكم مصر سمَّاه فرعون، إلا في فترة سيدنا يوسف عليه السلام سماه الملك:
{وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ} [يوسف: 43] .
وقد ثبت أن الهكسوس أثناء وجودهم في مصر غيَّروا اسم الفرعون وقالوا (الملك) وكان وجودهم في مصر أيام سيدنا يوسف عليه السلام.
وقوله: {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} [الدخان: 18] يعني: مؤتمن على رسالتي من الله أؤديها كما يجب أن يكون الأداء.
{وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} * {وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ}
قوله: {وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى اللَّهِ} [الدخان: 19] أرجع الأمر إلى مصدره الأول، فلم يقُلْ أنْ لا تعلوا عليَّ إنما على الله، يعني: افهموا أن المعركة ليست بيني وبينكم، بل بينكم وبين الله الذي أرسلني، فحين تعلون وتعاندون لا تعلون عليَّ، إنما على الله الذي كلَّفني وأرسلني إليكم.
{إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} [الدخان: 18] بحجة واضحة وآية بينة وهي العصا، والعصا آية من جنس السحر الذي نبغ فيه قومُ فرعون، ولكنها ليستْ من نوعه؛ لأن السحر في حقيقته تخييلٌ للأعين كما قال سبحانه:
{سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ} [الأعراف: 116] .