يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مِنْ أَيِّ وَجْهٍ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ التَّذَكُّرُ مِنْ بَعْدِ نُزُولِ الْبَلَاءِ بِهِمْ، وَقَدْ تَوَلَّوْا عَنْ رَسُولِنَا حِينَ جَاءَهُمْ مُدْبِرِينَ عَنْهُ، لَا يَتَذَكَّرُونَ بِمَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ مِنْ كِتَابِنَا، وَلَا يَتَّعَظِونَ بِمَا يَعِظُهُمْ بِهِ مِنْ حُجَجِنَا، وَيَقُولُونَ: إِنَّمَا هُوَ مَجْنُونٌ عُلِّمَ هَذَا الْكَلَامَ.
وَقَوْلُهُ: {إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يَسْتَغِيثُونَ بِهِ مِنَ الدُّخَانِ النَّازِلِ وَالْعَذَابِ الْحَالِّ بِهِمْ مِنَ الْجَهْدِ، وَأَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يُعَاهِدُونَهُ أَنَّهُ إِنْ كَشَفَ الْعَذَابَ عَنْهُمْ آمَنُوا
{إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ}
يَعْنِي الضُّرَّ النَّازِلَ بِهِمْ بِالْخِصْبِ الَّذِي نُحْدِثُهُ لَهُمْ
{قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ}
يَقُولُ: إِنَّكُمْ أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ إِذَا كَشَفْتُ عَنْكُمْ مَا بِكُمْ مِنْ ضُرٍّ لَمْ تَفُوا بِمَا تَعِدُونَ وَتُعَاهِدُونَ عَلَيْهِ رَبَّكُمْ مِنَ الْإِيمَانِ، وَلَكِنَّكُمْ تَعُودُونَ فِي ضَلَالَتِكُمْ وَغَيِّكُمْ، وَمَا كُنْتُمْ قَبْلَ أَنْ يَكْشِفَ عَنْكُمْ وَكَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ: مَعْنَاهُ: إِنَّكُمْ عَائِدُونَ فِي عَذَابِ اللَّهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (16) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّكُمْ أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ إِنْ كَشَفْتُ عَنْكُمُ الْعَذَابَ النَّازِلُ بِكُمْ، وَالضُّرَّ الْحَالَّ بِكُمْ، ثُمَّ عُدْتُمْ فِي كُفْرِكُمْ، وَنَقَضْتُمْ عَهْدَكُمُ الَّذِي عَاهَدْتُمْ رَبَّكُمُ، انْتَقَمْتُ مِنْكُمْ يَوْمَ أَبْطِشُ بِكُمْ بَطْشَتِي الْكُبْرَى فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا، فَأُهْلِكُكُمْ، وَكَشَفَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فَعَادُوا، فَبَطَشَ بِهِمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بَطْشَتَهُ الْكُبْرَى فِي الدُّنْيَا، فَأَهْلَكَهُمْ قَتْلًا بِالسَّيْفِ
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْبَطْشَةِ الْكُبْرَى، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ بَطْشَةُ اللَّهِ بِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هِيَ بَطْشَةُ اللَّهِ بِأَعْدَائِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:"قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الْبَطْشَةُ الْكُبْرَى: يَوْمُ بَدْرٍ، وَأَنَا أَقُولُ: هِيَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ"
وَقَدْ بَيَّنَّا الصَّوَابَ فِي ذَلِكَ فِيمَا مَضَى، وَالْعِلَّةَ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا اخْتَرْنَا مَا اخْتَرْنَا مِنَ الْقَوْلِ فِيهِ. انتهى انتهى. {تفسير الطبري. 21/}