وبعد أن قال: {لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ .. } [الدخان: 8] أتى بالدليل عليها {يُحْيِي وَيُمِيتُ .. } [الدخان: 8] لأن مسألة الإحياء والإماتة لله وحده لا منازع له فيها، والذين يتمتعون بالحياة لا يعكر عليهم صفو هذه المتعة إلا أنهم يروْنَ الموت حولهم يحوم ويوشك أنْ يصيبهم.
إذن: الحق سبحانه وتعالى أتى هنا في الشيء الذي يحبه، فالذي يملك حياتك ويملك موتك هو الله، فلا يليق بك أنْ تغفلَ عنه، أو أنْ تنصرفَ عن منهجه وسبيله إلى سبيل غيره.
وقوله {يُحْيِي وَيُمِيتُ .. } [الدخان: 8] واقع بالفعل على الغير وإنْ كان من صفاته أنه حَيٌّ قيوم، كما في آية الكرسي:
{اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ .. } [البقرة: 255] والبعض يقول: الحي اسم الله الأعظم لأنه أصْلٌ، وكل صفة أخرى أو اسم آخر فرع منه.
قالوا: الحي هو الاسم الأعظم في العطاء، والله الاسم الأعظم في العبودية، لأن معنى كلمة الله المعبود المطاع في كُلِّ أوامره.
وما دام مطاعاً في كل أوامره. إذن: أنت عندما تسأل الله تقول: بسم الله، يعني: بسم الله أقبل على هذا العمل، لأن العمل يحتاج إلى طاقة، ويحتاج إلى عقل يفكر قبل أنْ تشرعَ في العمل، ويحتاج إلى حكمة.
وهذه الأشياء ممَّن تستمدها؟ من الله، لأنه وحده الذي يجمع كلَّ صفات الكمال ويفيض عليك من صفاته فوجبَ الاستعانة به والتوكل عليه، فالذي قال: إن الاسم الأعظم (الحي) نظر إلى العطاء، والذي قال (الله) نظر إلى التكليف.
وقوله سبحانه: {رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ الأَوَّلِينَ} [الدخان: 8] أراد سبحانه أنْ يجادل الكفار المعاصرين للرسول صلى الله عليه وسلم قالوا:
{إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ} [الزخرف: 23] فأراد أنْ يُبيِّن كذبهم في هذه المقولة، فلو أنهم مقتدون فعلاً بالآباء لسَاروا على منهج آدم عليه السلام، لكنهم شذُّوا عنه وانحرفوا عن هديه حتى تغيَّر منطق الدين، وتعددتْ رسُل الله لهدايتهم. انتهى انتهى. {تفسير الشعراوي صـ} ...