{رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} [الدخان: 6] أي: يا محمد. وهذه عناية خاصة من الله برسوله وبيان لمنزلته صلى الله عليه وسلم من الله، فعيْنُ الله تحرسه، وعزيزٌ عليه أنْ يصيبه أذىً أو ألم من قومه، فهو أغلى البشر عنده، لذلك ربَّاه التربيةَ التي تجعله لا مهدياً في نفسه فحسب، إنما وهادياً للناس.
{رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ}
بعد أنْ قال سبحانه {رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} [الدخان: 6] أكدَّها بقوله {رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ} [الدخان: 7] ثم ردَّ الأمر إلى يقينهم {إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ} [الدخان: 7] كأنه واثقٌ أنهم عندما يُسألون لن يقولوا إلا هذا، فما دُمتم موقنين بأن الله هو خالق السماوات والأرض وما بينهما، فلماذا كذَّبتم رسوله؟!
إن الآيات الكونية واضحة الدلالة على خالقها عز وجل، هذه السماء التي تُظلكم، وهذه الأرض التي تُقلكم وما بينهما من خيرات وأسرار، بل وما تحت الثرى من ثروات كلها تدل على الله. وإذا كان هذا الذي نراه في الأرض والسماء عالم الملك، فما بالك بعالم الملكوت؟
عالم الملك تستطيع أن تقف عليه بحواسِّك، أما عالم الملكوت فغيْبٌ لا نعرف منه إلا ما أخبرنا الله به، كما قال تعالى في شأن سيدنا إبراهيم:
{وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ..} [الأنعام: 75] .
وقوله {إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ} [الدخان: 7] اليقين استقبال القضية بدون شك علماً أو عَيْناً أو حقيقة، كما سبق أنْ أوضحنا علم اليقين، ثم عين اليقين، ثم حقيقة اليقين، فاليقين هو الاعتقاد الثابت الذي لا يتغيَّر بالحكم عليه في الوجود علماً وعَيناً وحقيقة.
وهذه المراحل الثلاث ذُكِرَتْ في قوله تعالى:
{كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} [التكاثر: 5 - 8] .
وقال في سورة الواقعة:
{وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّآلِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [الواقعة: 92 - 96] .