وقوله سبحانه: {وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ} [الدخان: 2] أي: الظاهر الواضح المحيط بكل شيء، وهذا يُمثِّل المشهد أي الذي نعرفه ويتدخَّل فيه العقل. إذن: جمع الحق سبحانه في صدر هذه السورة بين الغيب في (حم) والمشهد في {وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ} [الدخان: 2] كلاهما من الله؛ فلا قسم على هذا.
أو أن الأسلوبَ هنا أسلوبُ قسم، أقسم بحم، وأقسم بالكتاب المبين الظاهر الذي تفهمه العقول، وهما الاثنان من الله. والمقسم عليه:
{إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا ...} .
{إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ} * {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} * {أَمْراً مِّنْ عِنْدِنَآ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ}
مسألة الإنزال تعني إنزال شيء من أعلى إلى أسفل، وتقتضي: مُنزِل، ومُنزَل، ومُنزَل إليه، فالذي أنزل هو الله، وما دام أنْ المنزِلَ هو الله فالإنزال من جهة العلو بصرف النظر عن المكانية، لأنه قال عن الحديد:
{وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [الحديد: 25] والحديد في باطن الأرض، والإنزال يُشْعِر بعلُوّ المنزل.
ثم الشيء المنزَل هو القرآن الكريم {أَنزَلْنَاهُ} [الدخان: 3] إلىَ مَنْ أنزل إلى الناس {فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ} [الدخان: 3] هي ليلة القدر يعني: زمنَ النزول العام للقرآن.
وقال {فِي لَيْلَةٍ} [الدخان: 3] لأن الليل محل السكون والهدوء، حيث لا لَغَطَ ولا ضوضاء ولا صَخَب يُمكن أنْ يُشوّش على المنزَل، كذلك يكون الإنسان ساكناً غيرَ منشغل الجوارح بشيء.
إذن: في الليل يتوفر للعقل كُلُّ مُقوِّمات الانتباه والاستيعاب وصفاء النفس، لذلك اقرأ في أول سورة المزمل:
{ياأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ الَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْأً وَأَقْوَمُ قِيلاً} [المزمل: 1 - 6] .
إذن: نزل القرآن ليلاً لأنه أنسبُ وقت لنزوله، ونزل على قلب رسول الله بمكة، فهي ليلة مكة لا غيرها، ومكة وسط العالم ومركزه، لذلك قال تعالى:
{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً}