أي: إن ما أصاب هؤلاء الكافرين من عذاب أليم، سببه أنهم وجدوا آباءهم مقيمين على الضلال، فاقتدوا بهم اقتداء أعمى، وساروا خلفهم وعلى آثارهم بسرعة وبغير تدبر أو تعقل، كما يسير الأعمى خلف من يذهب به إلى طريق هلاكه.
فالآيتان الكريمتان توبيخ شديد لهؤلاء الكافرين، لأنهم لم يكتفوا بتقليد آبائهم في الضلال، بل أسرعوا إلى ذلك إسراعا لا تمهل معه ولا تدبر.
ثم بين - سبحانه - أحوال السابقين عليهم فقال: وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ.
أي: ولقد ضل قبل هؤلاء الظالمين من قومك - أيها الرسول الكريم - أكثر الأقوام السابقين الذين أرسلنا إليهم رسلنا لهدايتهم.
وفي التعبير بقوله: أَكْثَرُ إنصاف ومدح للقلة المؤمنة التي اتبعت الحق.
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ أي: ولقد أرسلنا في هؤلاء الأقوام السابقين أنبياء كثيرين ينذرونهم ويخوفونهم من عاقبة الكفر والشرك، ولكن أكثر هؤلاء الأقوام لم يستجيبوا للحق.
فَانْظُرْ - أيها الرسول الكريم - كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ أي: فانظر وتأمل كيف كانت عاقبة هؤلاء الذين أنذروا فلم يستجيبوا للحق، لقد كانت عاقبتهم أن دمرناهم تدميرا إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ أي: دمرنا هؤلاء الأقوام إلا عبادنا الذين أخلصوا لنا العبادة والطاعة فقد أنجيناهم بفضلنا ورحمتنا.
ثم ذكر - سبحانه - بعد ذلك قصص بعض الأنبياء السابقين مع أقوامهم لتثبيت فؤاد
النبي صلّى الله عليه وسلم وتسليته عما أصابه من قومه، وابتدأ تلك القصص ببيان جانب من قصة نوح - عليه السلام - مع قومه فقال - تعالى -:
[سورة الصافات (37) : الآيات 75 إلى 82]
(وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ(75)
وقصة نوح - عليه السلام - قد وردت في القرآن الكريم في سور متعددة منها: سورة الأعراف، وسورة هود، وسورة نوح، وسورة المؤمنون.
وهنا يحدثنا القرآن عن جانب من النعم التي أنعم بها الله - تعالى - على نبيه نوح - عليه السلام - حيث أجاب له دعاءه، ونجاه وأهله من الكرب العظيم وأهلك أعداءه المكذبين.