وأما البرهان الثاني: فهو في قوله: {إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ} لأن من خلقهم أولاً من طين ، وأصله التراب المبلول بالماء لا يشك عاقل في قدرت على خلقهم مرة أخرى بعد أن صاروا تراباًت ، لأن الإعادة لا يعقل أن تكون أصعب من البدء والآيات الموضحة لهذا المعنى كثيرة جداً كقوله تعالى: {قُلْ يُحْيِيهَا الذي أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [يس: 79] الآية. وقوله تعالى: {وَهُوَ الذي يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ}
عليه [الروم: 27] وقوله تعالى: {يا أيها الناس إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ البعث فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ} [الحج: 5] .
وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذين البرهانين وغيرهما ، من براهين البعث في سورة البقرة والنحل والحج وغير ذلك.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ} اللازب: هو ما يلزق باليد مثلاً إذا لاقته ، وعبارات المفسرين فيه تدور حول ما ذكرنا ، والعرب تطلق اللازب واللاتب واللازم ، بمعنى واحد ، ومنه في اللازب قول علي رضي الله عنه:
تَعَلَّم فإنّ الله زادكَ بَسطةً... وأخلاقَ خيرٍ كُلُّها لَك لازِب
وقول نابغة ذبيان:
ولا يحسبون الخير لا شر بعده... لوا يحسبون الشر ضربة لازب
فقوله: ضربة لازب: أي شيئاً ملازماً لا يفارق ، ومنه في اللاتب قوله:
فإن يك هذا من نبيذ شربته... فإني من شرب النبيذ لتائب
صداع وتوصيم العظام وفترة... وغم مع الإشراق في الجوف لاتب
والبرهانان المذكوران على البعث يلقمان الكفار حجراً في إنكارهم البعث المذكور بعدهما قريباً منهما في قوله تعالى: {وقالوا إِن هاذآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَ آبَآؤُنَا الأولون قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ} [الصافات: 1519] .