ولما ذكر سوء ما كان يأتي إليه ، ذكر حسن أثر الله سبحانه عنده ، فقال لافتاً الكلام إلى صفة الإحسان لأنه مقامه: {ولولا نعمة ربي} أي المحسن إليّ بما رباني به من تثبيتي عن أتباعك والتجاوز عني في مخالطتك {لكنت} كوناً ثابتاً {من المحضرين} أي المكرهين على حضور هذا الموطن الضنك الذي أنت فيه ، فيالله ما أعظم إحسان هذه الآية في التنفير من العشرة لقرناء السوء لأنها شديدة الخطر قبيحة الأثر ، ولقد أبان نظره هذا عن أنه لم يكن أعلى لذة مما كان فيه فليس بأدنى منه ، فإنه لا شيء ألذ من رؤية العدو الماكر الذي طالما أحرق الأكباد وشوش الأفكار ، في مثل دلك من الإنكار ، وعظائم الأكدار ، من غمرات النار.
ولما رأى ذاك فيما هو فيه من الجحيم ، ورأى نفسه فيما هي فيه من النعيم ، ما ملك نفسه أن قال كما يعرض لمن يكون في شدة فيأتيه الفرج فجأة فيصير كأنه في منام أو أضغاث أحلام ، لا يصدق ما صار إليه سروراً: {أفما} أي أنحن يا إخواني منعمون مخلدون فيتسبب عن ذلك أنا ما {نحن بميتين} أي بعد حالتنا هذه ، وأكده لأن مثله لأجل نفاسته لا يكاد يصدق ، ثم أعرق في العموم بما هو معياره فقال: {إلا موتتنا الأولى} أي التي كانت في الدنيا.
ولما ذكر نعمة الخلاص من الموت ، ذكر نعمة الإنقاذ من الأكدار فقال: {وما} {نحن} وأكد النفي فقال: {بمعذبين} .
ولما تذكر هذا فاستفزه السرور ، وازدهته الغبطة والحبور ، لم يملك نفسه أن قال في أسلوب التأكيد لما له في ذلك من النشاط لما له من خرق العادة منبهاً على عظمته لتعظيم الغبطة: {إن هذا} أي الملك الذي نحن فيه {لهو} أي وحده {الفوز العظيم} أي الذي لا شيء يعدله.