ثم إن اللّه تعالى لمح لعباده بعدم التصدي لأذية الرسول بذكر ما وقع من اليهود لسيدنا موسى عليه السلام ، فقال عز قوله"يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى"فتؤذون رسولكم بما يصدر منكم من القول والفعل فإن اللّه تعالى يغضب لأذيته فتؤذون من أجله وذلك أن جماعة من بني إسرائيل رموه بأنه آدر لأنه كان حين يغتسل يغتسل بثوبه لشدة حيائه بحضور قومه ، ثم إنه ذات يوم لم يكن عنده أحد فنزع ثوبه ووضعه على حجر ونزل ليغتسل ، فلما عاد ليلبسه فر الحجر به فتبعه وكانوا يراقبونه فنظروا إليه فلم يجدوا فيه بأسا ، فظهر كذبهم ، ثم إنهم اتهموه بقتل هرون فأكذبهم اللّه إذ أراهم إياه جبريل عليه السلام كما سيأتي في الآية 26 من سورة المائدة ، ثم أغروا به المومسة بأن تعزو له مواقعتها كما سبقت القصة في الآية 82 من سورة القصص في ج 1 فكذبتهم بما ألقى اللّه في قلبها"فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا"في حقه راجع الآية 48 المارة ، وفي هذه الآية تحذير للمؤمنين بأن لا يتجاسروا على ما فيه أذية رسولهم ولا يتهموه بشيء مخالف أو سيئ ولا يظنوا به حيفا لأحد فإن اللّه تعالى يبرؤه مما يجرءون أو يتفوهون عليه به لأنه كريم على ربه مثل موسى الذي يقول ربه في حقه"وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً" (69) مقبولا موقرا
عظيما ، وان محمدا أكبر وجاهة وأجل حرمة عند ربه وأعظم درجة وأقرب منزلة منه وأزيد فضلا من الرسل كافة ، وما جاء عنه صلّى اللّه عليه وسلم من قوله لا تفضلوني على موسى ، هو من قبيل هضم النفس والتحدث بالنعمة ، وإلا فهو يعلم بإعلام اللّه إياه أنه أفضل وأكمل خلق اللّه الرسل فمن دونهم.