نجد صيغ المطالبة بالدليل في القرآن متنوعة، منها: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 148] ، فكان قولهم قول الجبرية، فردَّ الله - عز وجل - عليهم قولهم: {كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ} [الأنعام: 148] .
فهم يتقَوَّلون على الله - تعالى - بغير كتاب، ولا بيِّنة يبنون عليها علمًا قائمًا، يُكسِبهم حجية في ادعائهم، ومثله: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الأحقاف: 4] قال الطبري في معنى الأثارة أنها:"بقية من علم يُوصل بها إلى علم صحة ما تقولون من ذلك، إن كنتم صادقين في دعواكم؛ فإن الدعوى إذا لم يكن معها حجة؛ لم تُغنِ عن المدعي شيئًا" [32] ، وقال ابن كثير:"أي دليل بيِّن على هذا المسلك الذي سلكتموه، فلا دليل لكم نقليًّا ولا عقليًّا على ذلك" [33] .
وللدليل مسمياتٌ عدة في القرآن، منها: العلم، وأثارة من علم - كما سلف - ومنها الكتاب: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الأحقاف: 4] .
قال القرطبي في معنى الكتاب والأثارة: فيه بيان مسالك الأدلة بأسرها، فأولها المعقول، وهو قوله: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ} ، وهو احتجاج بدليل العقل في أن الجماد لا يصح أن يُدْعَى من دون الله؛ فإنه لا يضر ولا ينفع، ثم قال: {ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا} ، فيه أدلة السمع [34] .