والمؤمن دائمًا متَّصفٌ بطِيب القول، وسلامة اللسان؛ {وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ} [الحج: 24] ؛ لذا نجد نهج الأنبياء في عرْض ما بلغوا من الوحي والعلم، يتميَّز بالرِّفق والبيان، والتلطف في الجدال، والإيضاح للحق؛ {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 43، 44] ؛ فإيصال الحق يستدعي أولاً تهيئة القلوب لقَبول ذاك الحق، ومعلوم أن كسب القلوب خيرٌ من كسب المواقف؛ فكم من انتصار لطرفٍ أدَّى إلى حنق وخصومة الطرف الآخر، وزاد من اتِّساع الشُّقة بينهما في القلوب والمعارف، مع الحرص على كسب المواقف.
كذا من الآداب عدمُ هتك أستار الخصوم حالَ الجدال، والترفق بهم، خاصة إن دلَّتِ القرائن على قربهم من الحق، ودنوِّهم من الحقيقة؛ ليُترك لهم حَظٌّ للرجعة إلى الجادة، ومراجعة النفس.
د - الدليل قبل التنظير والتقعيد: فوضوح الرؤى والأحكام، واتساق المعلومات لا يكفي، ما لم يكن الأساس المستند إليه صحيحًا؛ لذا كان المنهج القرآني قائمًا على المطالبة بالدليل أولاً على صحة أيِّ ادعاء، وسماتُ أهل الحق تتبُّعُ الدليل ثم الاعتقاد، وسمات أهل الباطل الاعتقاد المبنيّ على ما تشتهي الأهواء، أو ميراث الآباء، ثم البحث عن الدليل؛ لصبغ تلك السوالف بالرداء الشرعي العلمي، وذاك إنما هو التماس لمخرج من مواجهة الصواب والحقيقة، لا قصدًا نحو الحق والهداية.
والدليل قد يكون نقليًّا، وقد يكون عقليًّا أو حسيًّا، ولكل مسألة ما يناسبها من الأدلة ومن المسالك، وما يصلح في علمٍ لا يصلح في غيره لزومًا.