كما يتبين في قوله - تعالى: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [الروم: 7] ، فالكافرُ رغم عزوفه عن الإيمان، واتِّباعِه للباطل، وعصيانِه لربه، فقد ذكر الله - تعالى - أنه يعلم شيئًا من الدنيا ويدرك أمورها، فخصَّه بصفة العلم، وإن كان لأمور الدنيا فقط، ووصفه بالغفلة، لا الجهل لأمور الآخرة، فكان عدلاً منه - تعالى - وقاعدة في نقد الآخر وتقييمه في مسألةٍ ما، بأن يراعى ما له وما عليه، فلا تكون النظرة جانبية مائلة نحو السالب فقط؛ {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8] .
غير أنه ينبَّه على أن معايير تقييم الأفكار والنظريات العلمية، يجب ألاَّ تكون مناقضة للمعايير الربانية، فلا يسلم أن يوصف من يتمسَّكُ بمعتقده، المبني على أدلة قطعية واضحة الدلالة، أنه متعصب، وغير متجرد من السوابق والشوائب، فشخصية العاقل لا تكون مفكرة دون علم سابق وقواعد ثابتة لمنهج التفكير، فإن لم يكن كذلك، فهو عامي لا مبادئ له، ولا علم مقعد يركن إليه.
فقد تحولتْ أصول الدين إلى مبادئَ قابلةٍ للأخذ والعطاء عند البعض، تحت مزاعم الموضوعية والتجرد، فقد"أصبح الكثير منهم يعرِّف الموضوعية بأنها: تجرُّد الباحث من كل اعتبار قيمي وعقدي! [28] ، وهذا ينافي ما نسعى إليه من البحث، وهو البلوغ بجميع العلوم لتحقيق الغاية الوجودية، وهي عبادة الله وتوحيده، فكيف يكون الباحث موضوعيًّا، وهو يكفر بالحقائق المطلقة المتعلِّقة بالخالق والمخلوق، والدنيا والآخرة؟! وكيف تكون المعايير الإلهية غيرَ علمية ولا موضوعية، والبشرية هي الموضوعية الدقيقة؟!"
فالعقيدة هي المبدأ قبل الدخول في أي بحث؛ لأن العلم في القرآن الكريم وسيلةٌ وليس غايةً، هدفُه ترسيخ عقيدة: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران: 19] ، وكلُّ شيء في الوجود خاضعٌ لما سَنَّه الله - تعالى - وشرعه، والاستخلاف في الأرض يكون لإعمارها على مراد الله - سبحانه - ولو اتَّبع الحقُّ أهواءَ الناس لفسدتِ السمواتُ والأرض.