وهؤلاء يقولون يوم القيامة"ما لبثنا غير ساعة"مع أن الآخرة لا كذب فيها ، لكنهم يقولون ذلك على حسب ظنهم ؛ لأن الغائب عن الزمن لا يدري به ، والزمن ظرف لوقت الأحداث ، كما أن المكان ظرف لمكانها ، فالنائم مثلاً لا يشعر بالزمن ؛ لأن الزمن يُحسب بتوالي الأحداث فيه ، فإذا كنتَ لا تشعر بالحدث فبالتالي لا تشعر بالوقت ، سواء أكان بنوم كأهل الكهف ، أو بموت كالذي أماته الله مائة عام ثم بعثه .
ولما قاموا من النوم أو الموت لم يُوقِّتوا إلا على عادة الناس في النوم ، فقالوا: {لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ...} [الكهف: 19] ؛ لأنه في هذه الحالة لا يدري بالزمن ، إنما يدري بالزمن الذي يتتبع الأحداث ، وما دام الإنسان في هذه الحالة لا يدرك الزمن ، فهو صادق فيما يخبر به على ظنه .
لذلك يقول تعالى في آية أخرى: {قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأرض عَدَدَ سِنِينَ * قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ العآدين} [المؤمنون: 112 - 113] أي: اسأل الذين يعدُّون الزمن ويحصونه علينا ، والمقصود والملائكة ، فهم الذين يعرفون الأحداث ، ويسجلونها من خَلْق آدم عليه السلام وإلى الآن ، وإلى قيام الساعة .
فلا يسأل عن عدد إلا مَنْ عدَّ بالفعل ، أو مَنْ يمكن أنْ يعُدّ ، أما الشيء الذي لا يكون مظنة العدِّ والإحصاء فلا يُعَدُّ ، وهل عَدَّ أحد في الدنيا رمال الصحراء مثلاً؟ لذلك نسمع في الفكاهات: أن واحداً سأل الآخر: تعرف في السماء كم نجم؟ قال: تسعة آلاف مليون وخمسمائة ألف وثلاثة وتسعون نجماً ، فقال الأول: أنت كذاب ، فقال الآخر: اطلع عِدّهم .
لكن ، لماذا يستقلّ الكفار الزمن فيُقسمون يوم تقوم الساعة ما لبثوا غير ساعة؟ وفي موضع آخر يقول عنهم: {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يلبثوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} [النازعات: 46] .