هذه الآلة التي في أيدينا بما تضبطه لنا من وقت أمرها هيِّن ، ليست مشكلة أنْ تُقدِّم أو تُؤخِّر عدة ثوانٍ أو عدة دقائق ، تعمل (أتوماتيكياً) أو بالحجارة ، صُنِعتْ في سويسرا ، أو في الصين ، هذه الساعة لا تهم ، المهم الساعة الأخرى ، الساعة التي لا ساعة بعدها ، واعلم أنها منضبطةٌ سبحانه ، وما عليك إلا أنْ تضبط نفسك عليها ، وتعمل لها ألف حساب .
وعجيب أنْ يقسم الكفار يوم القيامة {مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ ...} [الروم: 55] فإنْ كذبوا في الدنيا ، فهل يَكذْبون أيضاً في الآخرة؟ قالوا: بل يقولون ذلك على ظنهم ، وإلا فالكلام منهم في هذا الوقت ليس اختيارياً ، فقد مضى وقت الاختيار ، ولم يَعُدْ الآن قادراً على الكذب .
لذلك سيقول الحق سبحانه في آخر الآية: {كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ} [الروم: 55] فقد كانوا يقلبون الحقائق في الدنيا ، أما في الآخرة فلن يقلبوا الحقائق ، إنما يقولون على حَسْب نظرهم .
والمجرمون: المجرم هو الذي خرج عن المطلوب منه بذنب يخالفه ، فنقول: فلان أجرم ، والقانون يُسمِّى الفعل جريمة .
ومعنى {مَا لَبِثُواْ ...} [الروم: 55] اللبث: المكْث طويلاً أي في الدنيا ، أو: ما لبثوا في قبورهم بعد الموت إلى قيام الساعة ، أو: ما لبثوا بعد النفخة التي تميت إلى النفخة التي تُحيي .
فهذه فترات ثلاث للبثهم في القبور ، أطولها للذين ماتوا منذ آدم عليه السلام ، ثم أوسطهم الذين جاءوا بعد ذلك أمثالنا ، ثم أقلّهم لُبْثاً وهم الذين يموتون بين النفختين ، وفي كل هذه الفترات يوجد كفار ، وعلى عهد آدم كان هناك كفار ، وعلى مَرِّ العصور بعده يُوجَد كفار ، حتى بين النفختين يوجد كفار ، إذن: فكلمة لبثوا هنا على عمومها: أطول ، وطويل ، وقصيرة ، وأقصر .