وذكر اختلاف أحوال العباد في وقت نزول المطر وفي وقت انحباسه بين استبشار وإبلاس إدماج للتذكير برحمة الله إياهم وللاعتبار باختلاف تأثرات نفوسهم في السراء والضراء ، وفي ذلك إيماء إلى عظيم تصرف الله في خِلقة الإنسان إذ جعله قابلاً لاختلاف الانفعال مع اتحاد العقل والقلب كما جعل السحاب مختلف الانفعال من بسط وتقطع مع اتحاد الفعل وهو خروج الودق من خلاله.
و {إنْ} في قوله {وإن كانوا} مخفَّفة مهملة عن العمل ، واللام في قوله {لَمُبْلِسِين} اللام الفارقة بين {إنْ} المخففة و {إنْ} الشرطية.
والإبلاس: يأس مع انكسار.
وقوله {مِنْ قَبْلِه} تكرير لقوله {من قبللِ أن ينزّل عليهم} [الروم: 49] لتوكيد معنى قبلية نزول المطر وتقريره في نفوس السامعين.
قال ابن عطية: أفاد التأكيد الإعلام بسرعة تقلب قلوب البشر من الإبلاس إلى الاستبشار أ هـ.
يعني أن إعادة قوله {مِنْ قَبْله} زيادة تنبيه على الحالة التي كانت من قبل نزول المطر.
وقال في"الكشاف":"فيه الدلالة على أن عهدهم بالمطر قد تطاول فاستحكم إبلاسهم فكان الاستبشار على قدر اغتمامهم"أ هـ.
يعني أن فائدة إعادة {من قبله} أن مدة ما قبل نزول المطر مدة طويلة فأشير إلى قوتها بالتوكيد.
وضمير {قبله} عائد إلى المصدر المأخوذ من {أن ينزل عليهم} أي تنزيله.
فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا
رتب على ما تقرر من استحضار صورة تكوين أسباب المطر واستبشار الناس بنزوله بعد الإبلاس ، أن اعتُرض بذكر الأمر بالنظر إلى أثر الرحمة وإغاثة الله عباده حين يحيي لهم الأرض بعد موتها بالجفاف.
والأمر بالنظر للاعتبار والاستدلال.
والنظر: رؤية العين.
وعبر عن الجفاف بالموت لأن قوام الحياة الرطوبة ، وعبر عن ضده بالإحياء.
والخطاب بـ {انظر} لغير معين ليعم كل من يتأتى منه النظر مثل قوله {فترى الودق} [الروم: 48] .