ثم يقرر هذه القضية: {وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ المؤمنين} [الروم: 47] وما كان الله تعالى ليرسل رسولاً ، ثم يُسلِمه لأعدائه ، أو يتخلى عنه ؛ لذلك قال سبحانه في موضع آخر: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين * إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون} [الصافات: 171 - 173] .
وسبق أنْ قُلْنا: لا ينبغي أن تبحث في هذه الجندية: أصادق هذا الجندي في الدفاع عن الإسلام أم غير صادق؟ إنما انظر في النتائج ، إنْ كانت له الغلبة فاعلم أن طاقة الإيمان فيه كانت مخلصة ، وإنْ كانت الأخرى فعليه هو أن يراجع نفسه ويبحث عن معنى الانهزام الذي كان ضد الإسلام في نفسه ، لأنه لو كان من جٌنْد الله بحق لتحقق فيه {وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون} [الصافات: 173] ولا يُغلب جند الله إلا حين تنحلّ عنهم صفة من صفات الجندية .
وتأمل مثلاً ما حدث في غزوة أحد ، حيث انهزم المسلمون - وإنْ كانت كلمة الهزيمة هنا ليست على سبيل التحقيق لأن المعركة كانت سجالاً ، وقد انتصروا في أولها ، لكن النهاية لم تكُنْ في صالحهم ؛ لأن الرماة خالفوا أمر رسول الله ، والهزيمة بعد هذه المخالفة أمر طبيعي .
وهل كان يسرُّك أيها المسلم أنْ ينتصر المسلمون بعد مخالفتهم أمر رسولهم؟ والله لو انتصروا مع مخالفتهم لأمر رسولهم لهانَ كل أمر لرسول الله بعدها ، ولقالوا: لقد خالفنا أمره وانتصرنا . إذاً فمعنى ذلك أن المسلمين لم ينهزموا ، إنما انهزمت الانهزامية فيهم ، وانتصر الإسلام بصِدْق مبادئه .