والحق سبحانه - كما سبق أنْ بينَّا - رتَّب مقومات حياة الخليقة في الأرض على: الهواء ، ثم الماء ، ثم الطعام على هذا الترتيب ، وحَسْب أهمية هذه المقومات . فالهواء هو أهم مُقوِّم في حياة الكائن الحي ، حيث لا يصبر عليه الإنسان إلا لحظة بمقدار شهيق وزفير ولو حُبس عنه لمات . ثم الماء ويصبر عليه الإنسان إلى عشرة أيام . ثم الطعام ويصبر عليه إلى شهر .
لذلك من حكمة الخالق سبحانه ألاَّ يُملِّك الهواء لأحد ، ولو ملكه أحد وغضب عليك لمتَّ قبل أنْ يرضى عنك ، أما الماء فقليل أنْ يُملكه للناس ، أما الطعام فكثيراً ما يملك ؛ لأن الإنسان يصبر عليه فترة طويلة تُمكِّنه أن يكتسبه ، ويحتال عليه ، أو لعل مالكَ الطعام يرقُّ قلبه ويعطيك .
لذلك نسمع من عبارات التهديد: والله لأكتم أنفاسه ، كأن هذه العملية هي أقسى ما يمكن فِعْله ؛ لأنك قد تمنع عنه الماء أو الطعام ولا يموت ، لكن إنْ منعتَ عنهَ الهواء فهي نهايته ، وهي أسرع وسائل الإبادة للإنسان وأيسرها وأقلّها أثراً ، فلا يترتب عليها دم ولا جروح مجرد منديل مبلل بالماء . إذن: الهواء مُقوِّم هام حياة وإماتة .
وقلنا: إذا حُبِس الهواء أو سكن لا يتجدد فيه الأكسوجين فيتضايق الإنسان ؛ لأن أنفاسه تكتم ، أما إذا حدثت في المكان رائحة كريهة فترى الجميع يضج: افتحوا النوافذ ، لماذا؟ ليتجدد الهواء .
إذن: إرسال الرياح في ذاتها نعمة ، فإذا كان فيها برودة وشعرت بطراوتها فهي تُبشِّرك بالمطر ؛ لذلك كان العربي يعرف المطر قبل وقوعه ويُقدِّر مسافة السحابة التي ستمطره ، إذن: فالتبشير بالمطر نعمة أخرى .